الأقليات في العراق.. فرص التعافي تصطدم بالتعايش الهش وخطر خطاب الكراهية
شفق نيوز- النجف
بمناسبة اليوم الدولي للعيش معاً في سلام، يتجدد النقاش في العراق حول واقع الأقليات الدينية والقومية، في ظل تحديات معقدة ما تزال تلقي بظلالها على ملف التعايش والمواطنة، رغم التحسن النسبي الذي أعقب مرحلة ما بعد تنظيم داعش.
ويجمع ناشطون وأكاديميون وممثلون عن مكونات مختلفة، على أن البلاد تشهد اليوم حالة من "التعايش الهش"، تتقاطع فيها فرص التعافي الميداني مع مخاطر متصاعدة؛ أبرزها خطاب الكراهية، وتنامي الهجرة، وضعف نفاذ القانون.
وفي هذا الصدد، يرى المتحدث الرسمي باسم طائفة الصابئة المندائيين في العراق، رام أسعد العثماني، أن "أوضاع الأقليات أفضل مما كانت عليه خلال الأعوام (2014–2017)، لكنها لا تزال قلقة، رغم التحسن النسبي في التمثيل السياسي داخل البرلمان ومجالس المحافظات، والخطوات المتحققة في إعادة إعمار بعض المناطق المتضررة مثل سهل نينوى وسنجار".
ويؤكد العثماني، في حديث لوكالة شفق نيوز، أن "هذا التحسن لم ينعكس بشكل كافٍ على الحياة اليومية للمكونات، في ظل استمرار غياب الحماية الأمنية المستدامة، وضعف تطبيق القوانين، وتزايد معدلات الهجرة المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والشعور بالتهميش".
ويشير العثماني إلى أن "مفهوم العيش المشترك أصبح أكثر حضوراً في الخطاب الرسمي والديني والمدني بعد هزيمة داعش؛ التي كشفت أن استهداف أي مكوّن يعني تهديد المجتمع بأكمله، إلا أن هذا المفهوم ما يزال رمزياً وإعلامياً أكثر منه عملياً، لكونه لم يتحول بعد إلى سياسات تنفيذية واضحة في مجالات التعليم، والتمثيل، والحماية القانونية".
ويضيف أن "التعايش في العراق يقوم على مستويين؛ أحدهما قائم على قناعة مجتمعية راسخة في المدن المختلطة كبغداد والبصرة وذي قار وكركوك، والآخر هش في مناطق النزاع وعودة النازحين، حيث يعتمد على الترتيبات الأمنية المؤقتة أكثر من كونه استقراراً دائماً".
وقود العنف
وفي ما يتعلق بالتحديات، يعدد العثماني جملة عوامل مترابطة؛ أبرزها نزيف الهجرة المستمر وما يرافقه من تراجع في دور المؤسسات الدينية والثقافية، وغياب التعليم المتخصص الذي يعكس لغات وتاريخ المكونات كالمندائية والسريانية، إضافة إلى التمييز الإداري، والتعدي على الأوقاف، وتصاعد خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي، مؤكداً أن هذه العوامل تهدد الهوية الثقافية للأقليات وتضعف استمراريتها داخل النسيج الوطني.
ويصف العثماني خطاب الكراهية بأنه "الوقود الأول للعنف، لأنه يحوّل الآخر من شريك في الوطن إلى مصدر تهديد، ما يؤدي إلى كسر الثقة، وتشجيع الهجرة، وإضعاف فرص المصالحة المجتمعية، حتى في غياب المواجهة المباشرة".
كما يحذر من أن "الهجرة تمثل خطراً مباشراً على التنوع العراقي؛ لأن فقدان مكونات أصيلة كالمسيحيين والمندائيين والإيزيديين والكاكائيين والشبك يعني خسارة الذاكرة التاريخية للبلاد، وتحول التنوع من واقع حي إلى أثر متراجع".
وفي ما يخص الإطار القانوني، يرى أن "الدستور العراقي جيد من حيث المبدأ، لكنه يعاني من فجوة في التطبيق، ما يستدعي تشريعات صارمة لتجريم خطاب الكراهية، وحماية الأوقاف، وضمان تمثيل فعلي لا شكلي للمكونات، إلى جانب مراجعة بعض قوانين الأحوال الشخصية بما يراعي خصوصية كل مكوّن"، مشدداً على الدور المحوري لرجال الدين والنخب الثقافية والإعلام في ترسيخ ثقافة قبول الآخر على أسس المواطنة والكرامة الإنسانية.
جذور الإقصاء ومستقبل التنوع
من جانبه، يؤكد الدكتور سعد سلوم، رئيس مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية، لوكالة شفق نيوز، أن "خطاب الكراهية يمثل أحد أخطر التحديات أمام استقرار المجتمع، لأنه يعمّق الانقسامات ويقوّض الثقة المتبادلة"، مشيراً إلى أن "هذا الخطاب حوّل التنوع من مصدر غنى حضاري إلى عامل توتر وصراع، مستشهداً بما تعرض له الإيزيديون عام 2014 من إبادة جماعية نتيجة خطاب تكفيري، فضلاً عن تهجير المسيحيين من حواضرهم التاريخية".
ويحذر سلوم من أن "استمرار التحريض يعرقل جهود المصالحة الوطنية ويؤخر عودة الاستقرار إلى المناطق المتضررة، مهدداً أسس الدولة الحديثة والمواطنة المتساوية"، مجدداً الدعوة لتبني خطاب وطني جامع يقوم على العدالة والإنصاف.
وفي سياق متصل، يرى الكاتب والناشط الايزيدي، الدكتور ميرزا ديناني، في حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "الأقليات ما تزال تواجه تحديات جدية على مستوى المشاركة الفعلية والعدالة السياسية؛ لكون التجربة الديمقراطية في العراق ما تزال في طور التشكل، الأمر الذي انعكس على تمثيل المكونات الصغيرة بشكل غير مكتمل".
وأوضح ديناني أن "استمرار استحواذ بعض القوى النافذة على إرادة المكونات الصغيرة حال دون تحقيق تمثيل حقيقي وعادل"، مبنياً أن "معاناة الأقليات تمثل انعكاساً مصغراً لأزمة بناء الدولة والمؤسسات في البلاد".
ولفت ديناني إلى أن "الممارسة السياسية الخاطئة، وتوظيف خطاب الكراهية لأغراض انتخابية، واستغلال الدين في الصراع السياسي، أفرز تيارات متطرفة تهدد السلم الأهلي"، مؤكداً أن المشكلة لا تكمن في الجوهر الديني بل في استغلاله الأيديولوجي، محذراً من أن غياب الأقليات قد يؤدي إلى تعميق الصراع بين المكونات الكبرى وتحويله إلى نزاع هوياتي حاد.
البعد التاريخي والنموذج الميداني
ومن جانب رسمي، يؤكد الأكاديمي منتصر الحسناوي، مدير عام دائرة قصر المؤتمرات في وزارة الثقافة والسياحة والآثار، أن "التنوع في العراق جزء أصيل من هويته الحضارية"، مشيراً إلى أن "البلاد تشهد خلال السنوات الأخيرة حالة من الاستقرار النسبي أسهمت في إنهاء جزء من معاناة مخيمات النزوح، إلا أن هذه الخطوات بحاجة إلى دعم مستدام".
ودعا الحسناوي، عبر وكالة شفق نيوز، إلى "إقرار تشريعات حازمة تحد من خطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي للحفاظ على السلم المجتمعي، باعتبار أن حماية التنوع مسؤولية تضامنية بين الدولة والمجتمع".
وفي رؤية ميدانية موازية، يشدد ممثل مكون الشبك، محسن علي الشبكي، لوكالة شفق نيوز، على أن "التعايش في سهل نينوى يمثل نموذجاً حياً للعيش المشترك يتجسد في تفاصيل الحياة اليومية والأسواق والمناسبات"، مؤكداً أن المنطقة لم تشهد اقتتالاً داخلياً رغم الاستهدافات الخارجية، داعياً إلى تحويل الاستقرار الحالي إلى حالة دائمة قائمة على التنمية، ومنع التغيير الديموغرافي، وسيادة القانون.
ومن منظور فلسفي، يرى المهندس إبراهيم زراري (من أتباع الديانة الزرادشتية) لوكالة شفق نيوز، أن "حماية التنوع تتطلب قانوناً واحداً للجميع، وتعليماً يعترف بالمكونات المختلفة، وتمثيلاً سياسياً متوازناً"، مؤكداً أن "الدولة العادلة هي التي تمنع تحويل الاختلاف إلى أدوات للظلم".
ويخلص التحقيق الإحصائي والميداني إلى إجماع أطراف الحوار على أن العراق يقف اليوم عند مفترق طرق، إما المضي نحو تعزيز المواطنة وتحويل التنوع إلى مشروع وطني مستدام، أو إبقاء هذا الملف في دائرة الهشاشة ما لم تترجم الخطابات الإيجابية إلى سياسات عملية تحمي الجميع دون استثناء.