سبايكر.. 12 عاماً على الجرح الذي لم يلتئم
شفق نيوز- صلاح الدين
على ضفاف نهر دجلة، بالقرب من جسر تكريت - كركوك في مركز محافظة صلاح، تقف القصور الرئاسية السابقة كأطلالٍ صامتة تروي فصولاً من تاريخ العراق الحديث.
غير أن هذه المباني لم تعد مجرد شواهد على حقبة سياسية مضت، بل تحولت إلى رمز لإحدى أكثر الجرائم دموية وإيلاماً في الذاكرة العراقية، مجزرة سبايكر التي هزّت البلاد في حزيران عام 2014.
في ذلك الصيف الملتهب، كانت المدن العراقية تتساقط تباعاً بيد تنظيم "داعش"، وبعد سقوط الموصل في العاشر من حزيران/ يونيو في 2014، انهارت المنظومة الأمنية في مناطق واسعة من شمال وغرب البلاد، فيما وجد آلاف الطلبة العسكريين في قاعدة سبايكر الجوية أنفسهم وسط حالة من الفوضى والارتباك، بعد انقطاع التواصل مع القيادات العسكرية وتضارب التعليمات.
ومع تصاعد الأحداث، صدرت أوامر بخروج أعداد من المنتسبين والطلبة من القاعدة، لكن الطرق كانت قد أصبحت تحت سيطرة التنظيم المتشدد ومجاميع مسلحة موالية له، لتتحول رحلة العودة إلى واحدة من أكبر المآسي في تاريخ العراق المعاصر.
خلال ساعات قليلة، وقع المئات في الأسر، قبل أن يُنقلوا على دفعات إلى مواقع متعددة داخل مدينة تكريت ومحيطها، بينها مناطق قرب نهر دجلة والقصور الرئاسية، حيث جرى تنفيذ عمليات إعدام جماعي وثقتها لاحقاً تسجيلات مصورة هزّت الرأي العام العراقي والعالمي.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن عدد الضحايا تجاوز 1700 شاب من طلبة القوة الجوية والمنتسبين، معظمهم من أبناء محافظات الوسط والجنوب، كانوا في مقتبل العمر ويحملون أحلاماً بسيطة بمستقبل أفضل.
حزن وفخر
الحاجة أم ضياء (65 عاماً) تجلس في حزيران كل عام أمام صورة ابنها الشهيد، تستعيد آخر مكالمة هاتفية جمعتهما قبل أيام من المجزرة.
تقول بصوت يختلط فيه الحزن بالفخر: "كان عمره 24 سنة فقط، وكان يحلم أن يبني بيتاً صغيراً ويأخذ بيدي من الفقر، قال لي يومها: لا تخافي يا أمي، سأعود قريباً".
تضيف الأم المكلومة: "رأيناه لاحقاً في أحد المقاطع المصورة بين الشباب الذين أُعدموا وأُلقيت جثامينهم في دجلة. منذ ذلك اليوم تغيّرت حياتنا كلها، ولم يعد البيت كما كان".
أما عباس المحمداوي، فقد خسر شقيقين في المجزرة، حيث قال لوكالة شفق نيوز: "كانا في بداية حياتهما العسكرية ويحلمان بمستقبل مستقر، لم نفقدهما فقط، بل عشنا سنوات طويلة من الانتظار والبحث وعدم معرفة المصير".
ويرى: "الألم الحقيقي لم يكن في خبر الاستشهاد فقط، بل في سنوات الانتظار قبل العثور على رفاتهم والتأكد من هويتهم".
تكريت.. مدينة الألم
وفي مدينة تكريت نفسها، ما تزال آثار تلك الأيام حاضرة في ذاكرة السكان، إذ يقول حسان علي، أحد أبناء المدينة: "المواقع التي شهدت الإعدامات لم تعد مجرد أماكن عادية، بل تحولت إلى رموز للألم، ما حدث كان أكبر من أن يُنسى، والناس هنا ما زالت تستذكر تلك الأيام بكل تفاصيلها".
ويشير إلى أن عدداً من الأهالي شاركوا بعد تحرير المدينة في عمليات البحث عن المقابر الجماعية ومساندة الفرق المختصة في أعمال التوثيق والتعرف على الضحايا.
وبعد استعادة القوات العراقية السيطرة على تكريت عام 2015، بدأت فرق الطب العدلي والجهات المختصة عمليات واسعة للكشف عن المقابر الجماعية التي خلفتها المجزرة.
وعُثر على عشرات المواقع التي ضمت رفات الضحايا، بعضها داخل محيط القصور الرئاسية وأخرى في مناطق صحراوية قريبة. واستمرت عمليات فحص الحمض النووي لسنوات، ما أتاح إعادة مئات الرفات إلى عائلاتها لدفنها وفق المراسم الرسمية.
قراءة أمنية
إلى ذلك، يلفت الباحث في الشأن الأمني أحمد عمر، إلى أن مجزرة سبايكر شكلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ العراق الحديث.
وبحسب حديث عمر، لوكالة شفق نيوز، فإن ما جرى لم يكن مجرد جريمة قتل جماعي، بل نتيجة مباشرة لانهيار أمني شامل كشف هشاشة المنظومة العسكرية في تلك المرحلة وحجم التهديد الذي مثله تنظيم داعش قبل تمدده في مساحات واسعة من البلاد.
وخلال السنوات الماضية، أصدرت المحاكم العراقية أحكاماً عديدة بحق مدانين شاركوا في تنفيذ المجزرة، فيما ما تزال بعض الملفات قيد التحقيق والمتابعة القضائية.
ورغم ذلك، تؤكد عائلات الضحايا أن العدالة لا تزال ناقصة ما لم تُكشف جميع التفاصيل المرتبطة بالجريمة وتُحدد مصائر المفقودين الذين لم يُعثر على رفاتهم حتى الآن.
في كل عام، تتحول ذكرى سبايكر إلى محطة وطنية لاستذكار الضحايا، حيث تُرفع صورهم في المحافظات وتُقام مجالس عزاء رمزية.
ويؤكد مراقبون أن الجريمة لم تكن حدثاً عابراً، بل شكلت تحولاً عميقاً في الوعي العراقي تجاه الإرهاب، وأهمية حفظ الذاكرة الجماعية.
وبعد أكثر من 12 عاماً، ما تزال سبايكر تمثل أحد أكثر الملفات إيلاماً في تاريخ العراق الحديث، فهي ليست مجرد حادثة قتل جماعي، بل مأساة وطنية تركت آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على آلاف العائلات.