سحر جبال كوردستان يجذب العراقيين.. ومغامرون يبحثون عن الطبيعة (صور)
شفق نيوز- دهوك
في أعالي الجبال وبين الغابات الكثيفة وعلى ضفاف الأنهار المتدفقة، تتوهج مواقد النار أمام خيام السائحين الذين يقضون لياليهم وسط الطبيعة بعيداً عن صخب المدن وضغوط الحياة اليومية.
مشاهد باتت مألوفة في إقليم كوردستان الذي رسخ خلال السنوات الأخيرة صورته كوجهة سياحية آمنة تستقطب الزوار من مختلف المحافظات العراقية.
ومع تزايد الإقبال على المناطق الجبلية والمصايف الطبيعية، يؤكد سائحون ومنظمو رحلات المغامرات أن الاستقرار الأمني كان العامل الأبرز في تنشيط الحركة السياحية، وجعل الإقليم محطة مفضلة للعائلات ومحبي التخييم والاستكشاف.
ورافقت وكالة شفق نيوز، إحدى مجموعات التخييم في منطقة نهر الخابور بمحافظة دهوك، حيث نصب عشرات المغامرين خيامهم بين الجبال والغابات بانتظار شروق الشمس ومشاهدة الطبيعة البكر التي تشتهر بها المنطقة.
الابتعاد عن الحياة الروتينية
ويقول الرحالة وصانع المحتوى العراقي علي جاسم محمد رضا، المعروف باسم "علي أدفنچر"، لوكالة شفق نيوز إن التخييم لم يعد مجرد نشاط ترفيهي، بل تحول إلى أسلوب حياة بالنسبة للعديد من الشباب العراقيين الباحثين عن الهدوء واكتشاف الطبيعة.
ويضيف أدفنچر، مؤسس مشروع "گورو كامب" المختص بسياحة المغامرات والتخييم، أنه زار جميع محافظات العراق وقطع مسافات طويلة بالدراجة الهوائية لتوثيق التنوع الطبيعي والثقافي للبلاد، مبيناً أن الجبال والغابات تمنح الإنسان فرصة للابتعاد عن الروتين اليومي واختبار قدراته الجسدية والذهنية في بيئة مختلفة عن المدن.
ويشير إلى أن أكثر ما يجذبه في رحلات المغامرة هو عنصر الاكتشاف والتعرف على المجتمعات المحلية، مؤكداً أن كل رحلة تحمل تجربة جديدة تجعل من المغامرة حدثاً فريداً لا يتكرر.
من جانبه، يروي يوسف عقيل، تجربته الأولى في التخييم قائلاً إنه كان يتساءل قبل المشاركة في رحلة إلى نهر الخابور عن كيفية قضاء ليلتين بعيداً عن وسائل الراحة المعتادة، إلا أن الواقع كان مختلفاً تماماً عما تخيله.
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، يوضح أن "التجربة أعادته إلى أنماط الحياة البسيطة التي عاشها الناس قبل عقود، حين كانت الخيام والأكواخ والحطب جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية"، مؤكداً أن "جمال التجربة دفعه للتفكير في تكرارها مستقبلاً".
ويرى عقيل، أن أهم ما يميز عالم التخييم هو التعارف بين أبناء المحافظات العراقية المختلفة وتبادل الخبرات والتجارب الحياتية بعيداً عن الخلافات والانقسامات، مشيراً إلى أن الطبيعة توفر مساحة للتقارب الإنساني أكثر من أي مكان آخر.
أما المغامر محمد البغدادي فيقول لوكالة شفق نيوز، إن "التخييم يمنحه فرصة للابتعاد عن ضوضاء الحياة اليومية والاقتراب من الطبيعة"، لافتاً إلى أن أكثر ما يجذبه هو اكتشاف أماكن جديدة والاستمتاع بروح الحرية والمغامرة".
ويتابع قائلاً إن "الوصول إلى قمة الجبل يمنح شعوراً استثنائياً بالفخر والإنجاز، فيما تتمثل أبرز التحديات في التغيرات المفاجئة للطقس وصعوبة بعض المسارات الجبلية والحاجة إلى التخطيط الجيد للحفاظ على سلامة المشاركين".
ويلفت إلى أن "الطبيعة علمته الصبر والانضباط والاعتماد على النفس واحترام البيئة"، موضحاً أن "مجموعات التخييم تلتزم بمبدأ لا تترك أثراً من خلال جمع النفايات والحفاظ على نظافة المواقع الطبيعية".
وحول أبرز المناطق التي زارها، يذكر البغدادي مناطق برواري بالا في دهوك وجومان في أربيل وبحيرة نورولي في حلبجة وغابات وادي سكران، مبيناً أن هذه المناطق تمتلك مقومات طبيعية تجعلها من أهم وجهات المغامرات في العراق.
مغامرات عائلية
ويؤكد المشاركون أن الاستقرار الأمني أسهم بشكل مباشر في زيادة الإقبال على رحلات التخييم واستكشاف مناطق جديدة، كما شجع العائلات والشباب وحتى السياح الأجانب على المشاركة في هذا النوع من الأنشطة.
ويرى المغامرون أن تطوير هذا القطاع يتطلب تحسين البنية التحتية للمسارات الجبلية، وإنشاء مراكز للإنقاذ والإرشاد السياحي، وتوفير الخدمات الأساسية في مواقع التخييم، فضلاً عن دعم المبادرات السياحية وتسهيل الإجراءات الخاصة بالسفر والإقامة.
ورغم أن التخييم أصبح جزءاً من ثقافة المغامرات المتنامية في العراق، فإن تسلق الجبال يبقى التحدي الأبرز للكثير من المشاركين، لما يتطلبه من جهد بدني واستعداد نفسي لمواجهة الطبيعة وظروفها المتغيرة.
وفي هذا السياق، يقول متسلق الجبال وصاحب أحد فرق المغامرات محمد السلطان، إن "أولى خطوات الصعود إلى القمم الجبلية تكون مصحوبة بشعور من الخوف والترقب، لكن هذا الشعور يتبدد تدريجياً كلما تقدم المتسلق نحو الأعلى، ليتحول إلى ثقة بالنفس وإصرار على بلوغ الهدف".
ويتحدث السلطان، لوكالة شفق نيوز، بالقول إن "الوصول إلى القمة يمنح إحساساً فريداً ممزوجاً بالخوف والنجاح والإنجاز"، مؤكداً أن "تلك اللحظة تجعل كل التعب والمشقة التي رافقت الرحلة أمراً مستحقاً".
ويبين أن أبرز التحديات التي تواجه المغامرين تتمثل في التغيرات المفاجئة للطقس وصعوبة بعض المسارات الجبلية والحاجة إلى المحافظة على اللياقة البدنية والتركيز طوال الرحلة، فضلاً عن أهمية التخطيط المسبق لتجنب المخاطر المحتملة.
وينوه السلطان، إلى وجود زيادة واضحة في أعداد المهتمين بالتخييم وتسلق الجبال خلال السنوات الأخيرة، خاصة بين فئة الشباب، مدفوعين بانتشار ثقافة المغامرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وارتفاع الوعي بأهمية الأنشطة الخارجية.
في حين، تقول بندر واثق آل يوسف (22 عاماً) لوكالة شفق نيوز، إن "حب المغامرة كان الدافع الأساسي لدخولها عالم التخييم وتسلق الجبال"، مشيرةً إلى أن "أكثر ما يجذبها في هذه الرحلات هو التعرف على أشخاص من ثقافات وخلفيات مختلفة وبناء صداقات جديدة مع مشاركين من مختلف المحافظات والجنسيات".
وتؤكد أن "لحظة الوصول إلى قمة الجبل تمنحها شعوراً بالفخر والانتصار بعد ساعات من المشي والتحدي"، مبينةً أن "قطع المسافات الطويلة في المسارات الجبلية يعد من أبرز التحديات التي تواجهها خلال رحلاتها".
ووفقاً لحديثها فإن الطبيعة تعلم الإنسان أسلوب حياة أكثر صحة وتوازناً، وتسهم في تعزيز الاستقرار الجسدي والنفسي والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية.
وحول الحفاظ على البيئة، توضح آل يوسف، أن "مجموعات التخييم تحرص على جمع مخلفات الطعام والشراب بعد انتهاء الرحلات، وتنظيم مواقع الخيام وتوفير أكياس للنفايات في أماكن التجمع، بهدف المحافظة على نظافة المواقع الطبيعية وتركها كما كانت".
وتلفت إلى وجود زيادة ملحوظة في أعداد المشاركين خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بانتشار الرحلات الجماعية عبر وسائل التواصل الاجتماعي وما توفره من فرص للتعارف وخوض تجارب جديدة.
كما تشير إلى أن منطقة نهر الخابور تعد من أكثر المواقع التي استمتعت بزيارتها، لما تتمتع به من طبيعة ساحرة وأجواء ملائمة للتخييم والمغامرة.
وتختتم حديثها برسالة تدعو فيها الشباب إلى خوض هذه التجربة، مؤكدةً أن التخييم يفتح الباب أمام أسلوب حياة صحي ومغامرات جميلة وتجارب لا تُنسى، لافتة إلى أن الشعور بالأمان يبدأ من اختيار الموقع المناسب والالتزام بإرشادات السلامة، فيما أسهم الاستقرار الأمني في توسيع نشاط الرحلات وتشجيع المزيد من الأشخاص على خوض هذه التجربة بثقة واصرار
راحة وسكينة
أما محمود رياض كريم، فيقول لوكالة شفق نيوز، إن "فكرة التخييم في إقليم كوردستان عُرضت عليه من قبل أحد أصدقائه، لكنه تردد في البداية بسبب طبيعة الرحلة التي تتطلب الاعتماد على النفس وتحمل ساعات سفر طويلة، فضلاً عن متطلبات التخييم المختلفة".
ويضيف أن "تشجيع أصدقائه دفعه في النهاية إلى خوض التجربة، فبدأ بتجهيز مستلزمات الرحلة من الأحذية الجبلية والملابس المناسبة وبعض الاحتياجات الضرورية".
ويوضح أن "مشقة الطريق سرعان ما تلاشت عند الوصول إلى موقع التخييم، حيث أحاطت الجبال والوديان الخضراء بالمكان ومنحته شعوراً بالراحة والسكينة"، مضيفاً أن "أجمل لحظات الرحلة كانت خلال ساعات الليل عندما يجتمع المشاركون حول موقد النار لتبادل الأحاديث والتعارف وإعداد الطعام بشكل جماعي، فضلاً عن القيام بجولات داخل الغابات واستكشاف مواقع طبيعية جديدة".
ويختتم حديثه بدعوة الجميع إلى خوض تجربة التخييم ولو مرة واحدة، معتبراً أنها فرصة للابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية والعيش وسط أجواء من الأمان والطمأنينة والطبيعة الخلابة.
ومع انطفاء آخر ألسنة اللهب في مواقد المخيمين، واستعداد المشاركين لطي خيامهم والعودة إلى مدنهم، تبقى الجبال والغابات شاهدة على تجارب إنسانية تجمع بين المغامرة والتحدي واكتشاف الذات.
وبين قمم كوردستان الشاهقة وأنهارها المتدفقة، يجد كثير من العراقيين مساحة للهروب من ضغوط الحياة اليومية واستعادة صلتهم بالطبيعة.
ومع استمرار الاستقرار الأمني وتزايد الاهتمام بسياحة المغامرات، يرى المشاركون أن التخييم لم يعد مجرد رحلة عابرة أو نشاط ترفيهي موسمي، بل تحول إلى أسلوب حياة يجذب أعداداً متزايدة من الشباب والعائلات الباحثين عن الهدوء والحرية وتجارب مختلفة بعيداً عن صخب المدن، في مشهد يعكس تنامي افة المغامرة والاستشكاف في العراق.