11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

بنكهة المشاركة العراقية.. كيف حوّلت مطاعم ومقاهي بغداد كأس العالم إلى موسم تسويق؟

بنكهة المشاركة العراقية.. كيف حوّلت مطاعم ومقاهي بغداد كأس العالم إلى موسم تسويق؟
2026-06-11T21:36:13+00:00

شفق نيوز ـ بغداد

قبل أن تُطلق صافرة المونديال في الملاعب البعيدة، كانت بغداد قد بدأت مباراتها الخاصة مع الحدث. أعلام العراق ارتفعت على واجهات المطاعم والمقاهي، صور اللاعبين تمددت على الشاشات واللافتات، والعروض التجارية تسابقت لاستثمار لحظة نادرة يعود فيها "أسود الرافدين" إلى كأس العالم بعد غياب دام أربعين عاماً.

في مدينة تعرف كيف تحوّل كرة القدم إلى مزاج عام، لم تعد البطولة مجرد مباريات تُتابع في البيوت أو المقاهي، بل صارت موسماً اجتماعياً وتجارياً في آن واحد، فالمشجع يبحث عن شاشة كبيرة ومكان مكيّف وسط حر الصيف، وأصحاب المطاعم والمحال وجدوا في الحماسة الرياضية فرصة لجذب الزبائن، بينما انتقلت نكهة المونديال من المدرجات إلى أغلفة الوجبات وعبوات المشروبات وإعلانات الشوارع ومنصات التواصل.

تقول مطاعم ومقاهٍ في بغداد إنها تستعد لاستقبال أعداد كبيرة من المتابعين خلال المباريات، خصوصاً مع حرارة الصيف وصعوبة متابعة بعض اللقاءات في المنازل بسبب التشفير أو ضعف الاشتراكات. لذلك، لم تعد مشاهدة المباراة مجرد موعد رياضي، بل تجربة جماعية يجري تسويقها بعبارات تشجيعية، عروض للوجبات، شاشات كبيرة، وأجواء مكيّفة تقدم للمشجعين بديلاً عن حرارة الشوارع وضيق البيوت.

مصطفى حسن، وهو لاعب في أحد الفرق الشعبية، يرى أن حضور العراق في كأس العالم هذه المرة يمثل لحظة فخر نادرة: "من الفخر أن يرفع العلم العراقي في هذا المحفل الدولي، وأن يكون لنا تمثيل في كأس العالم"،  يقول لوكالة شفق نيوز. 

مصطفى، مثل كثيرين من أبناء جيله، لا يتعامل مع البطولة بوصفها منافسة كروية فقط، بل بوصفها مناسبة لاستعادة شعور وطني افتقده الجمهور منذ سنوات طويلة. 

أعلام منتخبات مشاركة في المونديال في واجهة المقاهي

ويخوض العراق نهائيات كأس العالم ضمن مجموعة قوية تضم النرويج وفرنسا والسنغال، في مشاركة هي الأولى له منذ مونديال المكسيك 1986. 

ويضيف أنه تهيأ مع رفاقه من لاعبي الفريق وأصدقائه للتجمع أمام إحدى الشاشات العملاقة لمشاهدة المباريات وتشجيع المنتخب الوطني.

غير أن مصطفى يلاحظ أيضاً وجهاً آخر للمونديال في بغداد. فالإعلانات المرتبطة بالبطولة، كما يقول، غزت منصات التواصل والشوارع. 

ويضيف أن "أغلب هذه الإعلانات دعائية وتجارية بحتة ولا تمت للبطولة بصلة، لكن أصحابها يجدون في هذه المناسبة فرصة جيدة للترويج والربح، خاصة أن البطولة تحظى بمتابعة واسعة من العراقيين".

هذا التداخل بين الفرح الوطني والسوق التجاري يبدو واضحاً في مشهد العاصمة، حيث شركات مشروبات غازية أعادت تصميم بعض عبواتها لتحمل ألواناً وصوراً مرتبطة بالمنتخب والعلم العراقي. مطاعم غيّرت أغلفة وجباتها بعبارات تشجيعية، ومحال تجارية علّقت ملصقات وواجهات تحمل نكهة المونديال، وحتى المنتجات اليومية، من المعلبات إلى رقائق البطاطا، دخلت سباق الارتباط بالحدث.

رنا البالغة من العمر 20 عاماً، ليست من متابعي كرة القدم عادة، لكنها تقول إن هذه المرة مختلفة، فوجود المنتخب العراقي جعلها متحمسة لمشاهدة المباريات مع عائلتها. 

وتضيف لوكالة شفق نيوز أن الإعلانات المرافقة لحملة المنتخب واستعداداته تحمل طابعاً ربحياً واضحاً لأصحاب الشركات والمحال، معتبرة أنها قد تترك أثراً سلبياً لأنها لا تقدم دعماً حقيقياً للمنتخب، بل تسعى إلى التسويق والربح فقط.

على الجانب الآخر من هذه الموجة، يرى مختصون في التسويق أن ما يحدث ليس مفاجئاً، بل جزء من قواعد السوق الحديثة حين ترتبط الأحداث الرياضية الكبرى بالعاطفة الجماهيرية.

علي اللامي، المختص في أعمال التسويق التجاري، يقول لوكالة شفق نيوز إن ما تمارسه الشركات والمطاعم حالياً يندرج في بعض جوانبه ضمن ما يُعرف بـ"التسويق الطفيلي". 

ويوضح أن هذا النوع من التسويق يقوم على محاولة الاستفادة من حدث جماهيري كبير من دون أن تكون الجهة التجارية بالضرورة شريكاً رسمياً فيه.

ويضيف اللامي أن كأس العالم، مع عودة المنتخب العراقي إليها، تحوّل إلى أداة جذب واسعة، لذلك تجد فيه الشركات والمطاعم والمقاهي فرصة للإعلان واستقطاب الزبائن وتحقيق الأرباح. 

ويشير إلى نوع آخر يُعرف بـ"التسويق الانتهازي"، حيث تحاول بعض الجهات استغلال أي حدث محلي أو عالمي لأهداف ربحية بحتة.

بحسب اللامي، فإن كثيراً من المطاعم والشركات لا تكترث كثيراً للحدث نفسه بقدر اهتمامها بملء المكان وجذب الزبائن، بصرف النظر عن فوز المنتخب أو خسارته. 

ومع ذلك، فإن هذا النوع من التسويق لا ينفصل عن طبيعة السوق، حيث تبحث العلامات التجارية دائماً عن اللحظات التي تجمع الناس حول شعور واحد، ثم تحاول تحويل ذلك الشعور إلى مبيعات.

ولا يتفق البغداديون على تقييم هذه الظاهرة، فهناك من يرى أنها استغلال مباشر لمشاعر الناس، وهناك من يعدّها جزءاً طبيعياً من المشهد العالمي المحيط بالبطولات الكبرى.

مؤيد عبد الحسين، البالغ من العمر 33 عاماً، يقول لوكالة شفق نيوز إن استغلال الأحداث المحلية والعالمية من قبل الشركات والمنصات والمحال التجارية أمر وارد في جميع دول العالم. 

ويضيف أن الأحداث الكبرى تدفع الشركات دائماً إلى الترويج عبر الإعلانات التي تغزو الشوارع والمحال ومواقع التواصل الاجتماعي، لكنه لا يرى في ذلك أمراً سلبياً بالكامل، رغم ما يحمله أحياناً من استثمار في مشاعر الجمهور.

ويعتقد أن الإعلانات المتعلقة بالبطولة، حتى عندما تكون ذات أهداف تجارية، تضع الناس في قلب الحدث وتذكرهم به باستمرار. 

في المقابل، يرى عبد القادر عبد الرحمن أن الضجيج الإعلاني يفسد شيئاً من جمال البطولة.

ويقول لوكالة شفق نيوز إن كأس العالم حدث يعرفه الجميع ويتكرر كل أربعة أعوام، وإن الجمهور العراقي أصبح على دراية بالقنوات والمواقع التي تبث المباريات، لذلك لا يحتاج إلى هذا الكم من الإعلانات.

ويضيف أن بعض الإعلانات سيئة ومزعجة وتخدش الذائقة، لأنها تسوق للمحال والشركات أكثر مما تسوق للبطولة أو للمنتخب الوطني. 

وبالنسبة إليه، تبقى كرة القدم فناً جميلاً يجب أن يُشاهد بعيداً عن صخب الدعاية ومحاولات تحويل كل لحظة رياضية إلى فرصة للبيع.

ومع ذلك، يصعب فصل كأس العالم عن السوق في مدينة مثل بغداد، حيث تتحول المناسبات الكبرى سريعاً إلى تجمعات اجتماعية، وتجد المقاهي والمطاعم فيها فرصة لاستعادة زبائنها وتقديم نفسها بوصفها جزءاً من المشهد العام.

وافتتحت المكسيك أولى مباريات كأس العالم بمواجهة جنوب أفريقيا عند الساعة العاشرة ليلاً، على أن تعقبها مباراة كوريا الجنوبية وجمهورية التشيك في الخامسة فجراً، فيما يخوض المنتخب العراقي أولى مبارياته أمام النرويج في السابع عشر من الشهر الجاري.

وبين الحماسة الوطنية والاندفاع التجاري، تدخل بغداد مونديال 2026 بطريقتها الخاصة، مدينة ترفع العلم، تبحث عن شاشة، تزدحم بالمشجعين، وتمنح السوق فرصة جديدة كي يبيع ما يستطيع بيعه باسم كرة القدم.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon