هل يعوق شبح الضرائب رحلة العراق نحو التحول الرقمي في البيع والشراء
صادق الازرقي
لم يعد التحول نحو الدفع الإلكتروني بخاصة في المحال التجارية في العراق مجرد ترف تقني أو مواكبة لاتجاهات عالمية فحسب، بل بات ضرورة حياتيةً تفرضها تعقيدات التعامل بالنقد المباشر ومخاطره. ومع تزايد إقبال المواطنين العراقيين على اعتماد الوسائل الرقمية لتسهيل تعاملاتهم اليومية واختزال الوقت والجهد، يصطدم هذا التوجه بواقعٍ التردد لدى أصحاب المحال التجارية، الذين ما يزالون ينظرون إلى هذه التقنيات بعين الحذر، خوفا من أن تستغل كأداة لفرض ضرائب جديدة أو أعباء مالية إضافية تثقل كاهل مشاريعهم الصغيرة والمتوسطة.
إن الانتقال نحو التعامل بوسائل الدفع الالكتروني هو ركيزة أساسية لأي اقتصاد حديث يسعى للاستقرار والشفافية، اذ تعتمد معظم المعاملات النقدية التقليدية في أسواق العراق على السيولة المدخرة لدى الأسر خارج النظام المصرفي، وان التحول للبيع الإلكتروني يدخل هذه الأموال في الدورة الاقتصادية الرسمية، مما يسهل على الحكومة مراقبة حركة الأموال، وتحصيل الضرائب بشكل عادل، والحد من عمليات غسيل الأموال أو التهرب الضريبي.
ويقلل النظام الإلكتروني من التكاليف الخفية المرتبطة بـما يسميه الخبراء عملية "إدارة النقد"؛ مثل تكاليف نقل الأموال، وحمايتها، وتزوير العملات، وأخطاء الجرد اليومي التي غالبا ما تستهلك وقتا وجهدا بشريا كبيرا. ويسهم هذا الأسلوب في تحفيز قطاعات واسعة من المجتمع على التعامل مع المصارف، مما يفتح أمامهم أبوابا كانت مغلقة، مثل الحصول على قروض شخصية أو تجارية، والاستثمار في أدوات مالية، والحصول على سجل ادخاري يمكن استعماله مستقبلا. والتحول الرقمي يعني تواجد بيانات هائلة عن أنماط الاستهلاك، ويمكن الدولة والمتاجر من فهم سلوك المستهلك، وتحديد السلع الأكثر طلبا، وتوقع الأزمات التموينية قبل وقوعها، وهو أمر مستحيل التنبؤ به بدقة في ظل نظام يعتمد كليا على التعامل النقدي المباشر "الكاش".
ولكن، بالنظر إلى طبيعة البيئة العراقية، هناك بطء في التحول يعود الى ضعف الثقة بالقطاع المصرفي، فما يزال هناك حاجز نفسي لدى المواطن العراقي في وضع مدخراته في المصارف، وذلك نتاج تراكم لتجارب تاريخية وأزمات اقتصادية، اذ ان التوسع في الدفع الإلكتروني يتطلب استقرارا عاليا في شبكات الإنترنت والكهرباء، وهو تحد تقني لا زال يواجه اضطرابات، والمجتمع العراقي تقليديا يفضل التعامل باليد، وهناك حاجز لدى أصحاب المتاجر الصغيرة من الرسوم التي قد تفرضها شركات الدفع، والخشية من تتبع حساباتهم من قبل هيئات الضرائب، و الانتقال يتطلب بيئة تشريعية تحمي المستهلك من عمليات الاحتيال الإلكتروني، وهو ما يتطلب سرعة في عمليات التحديث القانوني لم تكتمل بعد.
ولتجاوز هذه العقبات، لا يكفي أن تتبنى المتاجر هذه التقنية، بل يجب أن يتحول الأمر إلى سياسة عامة تتضمن منح خصومات ضريبية للمتاجر التي تعتمد الدفع الإلكتروني حصرا، والبدء بفرض الدفع الإلكتروني في الرسوم والضرائب و حتى الخدمات الحكومية كافة، وهو ما بدأ بالفعل بشكل جزئي، لكنه بحاجة لتعميم، لأن التركيز على المحفظة الرقمية يكون مصحوبا بأمان أكثر من المحفظة الورقية في بيئة قد تتعرض فيها الأموال للسرقة أو التلف، وان الانتقال إلى مجتمع لا نقدي ليس مجرد تحديث لأدوات الدفع، بل هو تغيير في ما يسمى عقد الوضوح بين الدولة والمواطن والسوق، و البطء الذي نراه هو انعكاس لصراع بين الرغبة في التحديث ومقاومة البنى التقليدية للشفافية.
برأيي أن التردد لا ينبع من الشعب أو القطاع الخاص، بل من عجز السلطة التنفيذية عن استيعاب أن التحول الرقمي ليس مجرد أداة فنية، بل هو استراتيجية حكم ترفع كفاءة الدولة وتنهي فوضى التداول النقدي. ويمكن تفسير التلكؤ الحكومي، بأن الحكومة غالبا ما تتعامل مع التحول الرقمي كعملية تقنية بحتة بتوفير أجهزة دفع، متجاهلة أنها عملية إدارية تتطلب تغيير عقلية الموظف، والتحول الرقمي يعني تلقائيا تقليص التماس المباشر بين الموظف او البائع والزبون، وهو ما يعني انحسارا لدوائر النفوذ والبيروقراطية التي تعيش عليها عديد المؤسسات، هذا التداخل بين المصلحة البيروقراطية وبين الحاجة للرقمنة هو أحد أهم أسباب البطء في اتخاذ قرارات حاسمة لتعميم هذه التجربة، وكذلك ان المحال التجارية بخاصة الصغيرة والمتوسطة تخشى أن يتحول سجل الدفع الإلكتروني إلى مرشد سري لهيئة الضرائب، مما يجعل اصحابها يتوجسون من التحول.
في الدول الناجحة، يستعمل الدفع الإلكتروني كأداة لتحفيز النمو مثل تخفيض الرسوم لمن يلجأ للدفع الرقمي، ولكن في بيئتنا الإدارية، ما يزال التوجه الحكومي غالبا يركز على الجباية حصرا، مما يخلق حاجزا نفسيا لدى أصحاب المحال، كما ان الجهات الحكومية المعنية لا زالت تتعامل مع المال كأوراق نقدية، وتغفل عن أن البيانات المالية هي ثروة الاقتصاد الحديث، وعن طريق تتبع أنماط الاستهلاك رقميا، تستطيع الدولة تخطيط استيراد السلع بناء على الطلب الحقيقي و مكافحة التضخم عبر مراقبة الأسعار لحظة بلحظة، وإدارة الأزمات التموينية بفاعلية، و تجاهل الدولة لهذا البعد يعني أنها تدير الاقتصاد وهي غير مدركة لفعاليته، مكتفية بالمراقبة التقليدية البطيئة.
ان السوق بائعا ومشتريا، جاهز ومستفيد بعملية التحول الالكتروني في عمليات الشراء والبيع، والجمهور يطالب، لكن المشرع والمنفذ في الحكومة ما يزالان يراوحان في مكانهما، هذا يشير إلى أن المعضلة المقبلة ليست مشكلة تكنولوجيا بل قضية إصلاح إداري، إذ لا يمكن لنظام مدفوعات حديث أن يعمل بكفاءة في ظل عقلية إدارية تقليدية ما تزال تعتمد على الأوراق والأختام والعمليات اليدوية.
وفيما يتعلق بمصادر البيع الحكومية فان التحول ضرورة تتجاوز مجرد تسهيل البيع إلى تحديث الإدارة الاقتصادية للدولة ككل، واننا بحاجة إلى إصلاحات تشريعية تسبق ذلك، فالربط بين التحول الرقمي ومحاربة الفساد هو المحرك الأقوى والمسوغ الأخلاقي والعملي الذي يجعل من الصعب على أي جهة حكومية مقاومة هذا التوجه لمدة طويلة، فالفساد يقتات على السيولة النقدية (الكاش)؛ لأنها لا تترك أثرا، ولا توثق مسار الأموال، وتسمح بمرور الرشى تحت الطاولة بعيدا عن السجلات؛ أما عندما تتحول المعاملة إلى رقمية، فإنها تصبح موقعة إلكترونيا، ولها أثر تدقيقي مما يجعل عملية الفساد أكثر صعوبة وخطورة على المرتشي.
ان الانتقال إلى الاقتصاد الرقمي أصبح اليوم أحد أهم أدوات استرداد مكانة الدولة عن طريق ضبط المالية العامة ومحاصرة بؤر الفساد في مفاصل المؤسسات، ويظهر أن العراق اليوم يقف عند منعطف حقيقي؛ إما أن تفرض التكنولوجيا واقعا جديدا يفرضه المواطن بضغط حاجته ووعيه، أو أن تظل السلطة أسيرة لعقلية ما تزال ترى في "النقد" وسيلة للتحكم والبقاء.