من السكين إلى ربطة العنق
فرست عبدالرحمن مصطفى
"حلب بين غزلان الكرامة وذئاب السياسة"
في عالم يزداد فيه الضجيج وتقلّ فيه الذاكرة لم يعد مستغربا أن يتحوّل الجلاد إلى رجل دولة، وأن يُستبدل السكين بربطة عنق ويُغسل الدم بخطابٍ دبلوماسيٍّ ناعم. المفارقة ليست في التحوّل بحد ذاته بل في سرعة التصفيق له وكأن التاريخ يمكن محوه ببيان صحفي أو صورة مع سفير.
كيف يمكن لمن تدرّج في مسيرته من القاعدة إلى داعش ومن جبهة إلى أخرى، ومن نحر الأعناق إلى نحر المفاهيم أن يصبح فجأة حارسا للكرامة الإنسانية؟ أي منطق هذا الذي يجعل من قاتل الأمس ضامنا للتعايش اليوم؟ أم أن الكرامة في القاموس الجديد تُقاس بمدى الطاعة لا بوزن الدم؟
الجولاني أو أي نسخة معاد تدويرها من التطرف ليس ظاهرة فردية بل منتجٌ مكتمل لصناعة سياسية قديمة، حين تنتهي صلاحية العنف العسكري يُعاد تقديمه بعبوة سياسية جديدة. هنا تستعاد مقولة كيسنجر بسخرية جارحة "ننتقي الأسوأ ونجعله رئيساً على الدولة". ليست زلّة لسان بل عقيدة عمل. فحين تفشل القيم تنجح المصالح، وحين يتعذّر بناء الدولة يُستثمر الخراب.
وحين يخرج الجولاني متحدثًا عن “التعددية” و“حماية المكوّنات” يبدو المشهد كمن يلقي درسا في الرحمة وهو ما زال يحمل سكينه في الذاكرة الجماعية. يتحدّث عن فسيفساء سوريا بينما لم يعرف من الفسيفساء سوى كسرها، ولم يتعامل مع الاختلاف إلا بوصفه هدفا مشروعاً. تُقال الكلمات بنبرة هادئة فيما الأفعال القديمة تصرخ أعلى من أي خطاب.
وهنا، وعلى النقيض الفاضح من هذا التزييف المصقول تقف مقاومة الكورد في حلب كقضية إنسانية قبل ان تكون سياسية.
هناك في أرض النار والشمس لم تخرج فتياتٌ كورديات بحثاً عن سلطة ولا عن اعتراف دولي بل خرجن ليحرسن معنى الإنسان حين كان الإنسان أرخص من الرصاصة. نحيلات كالغزلان لكنهن يصطدن الذئاب في عقر عتمتها، لا بالشعارات ولا بالمؤتمرات بل بالفعل. لم يرفعن شعار التعددية بل جسّدنه وهنّ يحمين الأبرياء الذين لم يبقَ لهم حارس سوى الله. فيتحوّل حضورهن من حيث لا يدّعين قداسة، إلى فعلٍ أقرب إلى الجندية الأخلاقية، جنودٍ لحفظ الكرامة والإنسانية في مواجهة من يهتف باسم الله وهو أبعد الناس عن مراد الله وبراءته منهم أصدق من كل خطاباتهم.
التعددية التي يتغنّى بها الجولاني اليوم لم تولد في بياناته ولا في صور المصافحات، بل وُلدت حيث لم يُذبح المختلف وحيث لم تُسبَ النساء وحيث لم تُقَس العقيدة بمدى القرب من السكين. هناك فقط ينكشف الفارق بين من حمل السلاح ليذبح الإنسان ومن حمله ليمنع ذبحه، بين من اتخذ الدين مهنة سياسية ومن صار الفعل عنده صلاة صامتة.
الولايات المتحدة لا تبحث عن ملائكة بل عن أدوات قابلة للضبط، وتركيا لا ترى في المشهد مأساة أخلاقية بل فرصة جيوسياسية. أما الضحايا فمكانهم دائماً خارج الصورة وخارج المؤتمرات وخارج الذاكرة الرسمية. يُطلب منهم الصمت احترامًا لـ“المرحلة الانتقالية” وكأن أعناقهم كانت مرحلة عابرة في طريق الدولة.
وفي النهاية، لا يصبح قاتل الأبرياء حاميا للإنسانية مهما طال التلميع، ولا تتحوّل المذابح إلى سيرة دبلوماسية مهما تغيّرت الألقاب. قد تُصنع الرئاسة في الغرف المغلقة لكن الكرامة لا تُصنع هناك. الكرامة لا تصافح الأيادي التي لم تجف بعد من الدم، ولا تعترف بالتحولات السريعة لأن ذاكرة الدم أبطأ من أن تُخدع وأصدق من أن تُساوِم.