محافظات على الهامش رغم التضحيات
د. ضحى السدخان
في خضم الحديث المتكرر عن العدالة في توزيع المناصب والوزارات، يبرز شعور واضح لدى كثير من أبناء بعض المحافظات بأن هناك تهميشًا غير معلن في تمثيلهم داخل مؤسسات الدولة، رغم أن الدستور العراقي أكد على مبدأ الشراكة والعدالة بين جميع العراقيين دون تمييز.
العراق لم يُبنَ بتضحيات محافظة واحدة، بل بدماء الجميع. ففي معارك الدفاع عن الوطن، من نهر جاسم إلى جرف النصر والموصل وصلاح الدين والأنبار، امتزجت دماء أبناء الجنوب والوسط والشمال، ولم يكن الشهيد يُسأل عن محافظته قبل أن يقدم روحه للعراق. لذلك فإن اختزال الدولة أو النفوذ أو الاستحقاقات بمحافظة معينة يمثل خطابًا غير منصف ويؤسس لشعور بالإقصاء لدى الآخرين.
نعم، البصرة وكركوك وبغداد وميسان والموصل.. واغلب محافظات العراق هي نفطية والبصرة محافظة استراتيجية كبرى، وهي الرئة الاقتصادية للعراق ومصدر مهم للنفط والموانئ، وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان، لكنها ليست العراق وحده. فميسان أيضًا محافظة نفطية وحدودية وقدمت خيرة أبنائها في الحروب ومكافحة الإرهاب، وتمتلك ثروات وإمكانات كبيرة، لكنها غالبًا ما تغيب عن خارطة المطالبات السياسية والإدارية والإعلامية، وكأن حقها مؤجل دائمًا. هل تهمش بقية المحافظات كما اعتادنا عليه في الدورات السابقة وهل يكون تخصيص الموازنات عادل في هذه الدورة ام كسابقاتها. الا اننا نجد ان
المشكلة الحقيقية ليست في محافظة ضد أخرى، بل في غياب مبدأ التوازن الوطني في إدارة الدولة. فحين تُحتكر بعض الوزارات أو المواقع السيادية أو الدرجات الخاصة ضمن نطاقات سياسية أو جغرافية محددة، يتولد شعور بالغبن لدى المحافظات الأخرى، وهذا ما يهدد مفهوم المواطنة ويضعف الثقة بالدولة.
من حق أبناء ميسان، وذي قار، والمثنى، والديوانية، وكل المحافظات، أن يطالبوا بتمثيل عادل يتناسب مع حجم تضحياتهم وثرواتهم وكفاءاتهم، بعيدًا عن لغة الاستحواذ أو التهميش. فالدولة القوية لا تُبنى بالمجاملة السياسية، بل بإشراك الجميع وإعطاء كل محافظة استحقاقها الحقيقي.
العراق بحاجة اليوم إلى خطاب وطني جامع، لا يقسم البلاد إلى محافظات “مؤثرة” وأخرى “منسية”، لأن الثروة عراقية، والدم العراقي واحد، والتاريخ لن يرحم أي سياسة تُشعر جزءًا من الشعب بأنه أقل قيمة أو حضورًا في وطنه.