كوردستان .. نور في العتمة يزعج اصحاب الظلام

كوردستان .. نور في العتمة يزعج اصحاب الظلام

جلال شيخ علي

2026-03-15T21:10:11+00:00

في وقت تتجه فيه شعوب العالم نحو البناء وترسيخ الاستقرار، يجد اقليم كوردستان نفسه مرة اخرى تحت وابل من الهجمات التي تنفذها فصائل مسلحة خارجة عن القانون، تختبئ خلف ذرائع واهية وشعارات لا تصمد امام الواقع.

فحديث “مقاومة الوجود الاميركي” يفقد مضمونه حين تكون القواعد الاميركية منتشرة في بغداد ومحافظات عراقية اخرى، ولم تكن يوما حكرا على الاقليم وحده.

ان استهداف كوردستان بالصواريخ والطائرات المسيرة لا يمكن تفسيره تفسيرا عسكريا بحتا، بل يبدو اقرب الى استهداف متعمد لتجربة نجحت في تحقيق الامن والاعمار والتعايش.

تجربة ازعجت قوى لا تتحمل رؤية نموذج مستقر ومزدهر خارج دائرة الفوضى، وفي مقدمتها تيارات عنصرية لا تقبل بان ينجح شعب اخر في بناء مدنه وتطوير اقتصاده وصون امنه. فبدل ان تكون هذه التجربة مصدر الهام، تحولت في نظرهم الى تهديد يجب اضعافه او تشويهه.

الحقيقة التي يحاول المعتدون طمسها ان الاقليم لم يصبح هدفا بسبب قواعد اجنبية، بل بسبب ما حققه من نهضة عمرانية واضحة واستقرار امني جعل مدنه مقصدا للاستثمار والعمل والحياة الطبيعية.

ففي وقت تعاني فيه مناطق عراقية عديدة من تدهور الخدمات والانفلات الامني والاقتصاد الهش، برزت اربيل ودهوك والسليمانية وحلبجة بوصفها وجها مختلفا للعراق وجها يمكن ان يكون عليه البلد كله لو توفرت الارادة، وهذا تحديدا ما لا يروق لاعداء الحرية والتقدم.

ولا يحمل القصف المتكرر رسالة عسكرية بقدر ما يحمل رسالة نفسية وسياسية هدفها كسر صورة الاستقرار وبث الخوف بين السكان والمستثمرين، وضرب الثقة التي بنيت عبر سنوات من العمل والتضحيات.

فعندما تعجز بعض القوى عن بناء نموذج ناجح، تلجا الى تخريب النموذج القائم، وعندما تفشل في اقناع الناس بمشروعها، تحاول جرهم الى الفوضى التي تعيشها.

ان ما يتعرض له الاقليم يعكس مزيجا من الحقد والحسد تجاه ما تحقق من اعمار وتنمية؛ حسد على طرق معبدة بدل الحفر، وعلى مطارات عاملة بدل الخراب، وعلى اسواق نابضة بالحياة بدل الركود، وعلى امن يسمح للناس بالعمل والسفر والسهر دون خوف.

انه حسد على الحياة الطبيعية نفسها في منطقة اعتادت الازمات.

والاخطر ان هذه الهجمات لا تستهدف بنية تحتية او مواقع بعينها فحسب، بل تستهدف فكرة التعايش ذاتها. فقد احتضن اقليم كوردستان لسنوات مكونات عراقية مختلفة ونازحين من مناطق الحروب، وقدم نموذجا للتعددية والانفتاح في منطقة تعصف بها الانقسامات.

ومن هنا فان ضرب الاقليم هو ضرب لفكرة ان الاستقرار ممكن، وان البناء ممكن، وان المستقبل لا يجب ان يكون اسير الصراعات.

ومع ذلك، اثبتت التجربة ان الصواريخ لا تمنح شرعية، وان الطائرات المسيرة لا تصنع انجازا، وان الخراب لا يمكن ان ينافس العمران. فالاقليم الذي نهض بعد عقود من القمع والحروب لن يتراجع بسبب اعتداءات عابرة، لان اساسه ليس اسمنتا وحديدا فقط، بل ارادة شعب قرر ان يعيش بكرامة وان يبني بدل ان يهدم.

ان ما يجري اليوم ليس صراعا حول قواعد عسكرية، بل مواجهة بين منطق الدولة ومنطق الميليشيا، بين مشروع البناء ومشروع التخريب، بين الامل والياس.

وفي نهاية المطاف، لن يتمكن الحسد من هزيمة الاعمار، ولن تستطيع الكراهية اطفاء نور ارض قررت ان تنهض وتبقى مضيئة رغم كل شيء.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon