عملية السلام مع أنقرة

عملية السلام مع أنقرة

وهاب شاه محمد

2026-10-11T11:26:28+00:00

تستعيد الأروقة السياسية والإعلامية في الشرق الأوسط بين الفينة والأخرى حديثاً متجدداً عن "فرص التسوية" و"مبادرات السلام" بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني (PKK). غير أن التفكيك الهيكلي لسلوك أنقرة الاستراتيجي، ومقارنته بأنماط إدارة الصراعات غير المتكافئة، يثير تساؤلاً محورياً حول ما إذا كانت هذه التحركات تمثل انعطافة حقيقية نحو تسوية تاريخية، أم أنها مجرد إعادة إنتاج لاستراتيجية "إدارة النزاع" بدلاً من حله، بهدف تفكيك البنية الصلبة للطرف الأضعف دون تقديم استحقاقات دستورية ملموسة.

ديناميات الصراع غير المتكافئ: هندسة الإنهاك والتجريد

في أدبيات العلاقات الدولية وتحليل الصراعات، تُعرَّف المفاوضات غير المتكافئة بين حكومات مركزية وحركات تحررية بأنها بيئة عالية المخاطر؛ حيث يميل الطرف الأكثر قوة هجومياً إلى استخدام العملية السياسية كـ "أداة تكتيكية" لتحقيق أهداف أمنية عجز عن فرضها عبر القوة الحيوية وحدها.

تتجسد هذه الاستراتيجية في الحالة التركية عبر ثلاثة أبعاد رئيسية:

تجريد الخصم من عناصر الردع: الإصرار الحكومي الحاسم على إلقاء السلاح وتفكيك البنية التنظيمية كـ شرط مسبق وقاطع قبل اتخاذ أي خطوات تشريعية أو إجرائية، ينطوي على نقل الصراع من مربع "القضية الوطنية السياسية" إلى مربع "الملف الأمني البحتي". يسفر هذا الطرح عن نزع أوراق الضغط الرئيسية من يد الفاعل الكردي، مما يتركه مكشوفاً أمام المنظومة القانونية والأمنية القائمة.

قلب معادلة المساءلة السياسية: تُتيح الخطابات الشفهية للسلام للمؤسسة الرسمية إعادة تصدير نفسها إقليمياً ودولياً بصفتها الطرف "الداعي للسلام"، مما يتيح لها نقل عبء الفشل السياسي تلقائياً إلى الطرف الأضعف، ووسمه بـ "التعنت أو عدم الجدية" في حال المطالبة بضمانات دولية أو إطار تنفيذي ملزم.

تفتيت التماس الاجتماعي والسياسي: يؤدي إدخال البيئة الشعبية الكردية في دوائر الانتظار والترقب غير المشروط إلى تفكيك التعبئة السياسية وزرع حالة من اليأس والاستنزاف المعنوي، مما يؤدي بدوره إلى خلق انقسامات بنيوية داخل الصف الكردي حول جدوى المسار التفاوضي.

منظور مقارن: الدرس الاستراتيجي من آيرلندا وجنوب إفريقيا

تتجلى هشاشة النموذج السلمي المطروح رسمياً في أنقرة عند مقارنته بالتجارب المعاصرة لحل الصراعات المعقدة؛ إذ يبرز تاريخ التسويات السياسية أن السلام المستدام لا يتشكل عبر الوعود الشفهية أو حسن النوايا، بل يُبنى على معادلة صارمة من الرقابة والضمانات الدولية المتزامنة (Reciprocity).

اتفاق الجمعة العظيمة (آيرلندا الشمالية - 1998): لم يتجه الجيش الجمهوري الآيرلندي (IRA) نحو تفكيك هيكليته العسكرية إلا بعد إقرار تعديلات دستورية وقانونية جذرية، وإعادة هيكلة شاملة لأجهزة الأمن، وبدء إفراج ممنهج عن السجناء السياسيين. أُنجز ذلك تحت مظلة وساطة دولية محايدة ترأسها المبعوث الأمريكي جورج ميتشل، وبتوافق حكومي بين لندن ودبلن، مدعوماً بلجنة دولية مستقلة لنزع السلاح (IICD) لضمان التزامن الإجرائي خطوة بخطوة.

التحول الديمقراطي في جنوب إفريقيا (1990–1994): لم تكن العملية الانتقالية مجرد وعود شفهية صادرة عن نظام الفصل العنصري، بل بدأت بقرارات تنفيذية أحادية ولكنها ملموسة قادها "فريدريك دي كليرك"، شملت رفع الحظر عن المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC)، وإطلاق سراح نيلسون مانديلا ورفاقه، وإعادة كتابة الدستور بوجود رقابة وضغوط أممية حالت دون التفاف السلطة الحاكمة على حقوق الأغلبية.

تُثبت هذه النماذج أن وجود "الضامن المستقل" والالتزام بـ "التزامن الإجرائي" يمثلان الركيزة الأساسية لأي تسوية حقيقية؛ وهو ما ترفضه أنقرة باستمرار وتعتبره مساساً بسيادتها الوطنية.

مفهوم "المواطنة الإدماجية" أداةً للصهر الثقافي

منذ نشأة الجمهورية التركية عام 1923، صُممت عقيدة الدولة الأمنية على الركيزة القومية الأحادية ونفي التعددية البنيوية. وفي هذا السياق، يُعاد استخدام مقولة "المواطنة والأخوة" لتغطية واقع مؤسسي يحظر الممارسة الفعلية للحقوق القومية الأساسية.

تتواصل القيود الرسمية على استخدام اللغة الأم في مجالات التعليم والخدمات الحكومية، في حين يواجه التمثيل السياسي المستقل - المتمثل بالأحزاب الكردية المتعاقبة - استراتيجية حظر ممنهج، وسحباً للحصانات البرلمانية، وفرضاً للحراس الحكوميين (القيمين) على البلديات المنتخبة. إن المطالبة بدمج المكون الكردي تحت شعار "الأخوة الشكلي" دون اعتراف دستوري صريح بالتعددية اللغوية والثقافية والسياسية لا يعدو كونه "إدماجاً قسرياً" (Forced Assimilation) يسعى لإنهاء القضية عبر الآليات الناعمة للدولة.

البراغماتية الجيوسياسية وازدواجية المعايير الإقليمية

على الصعيد الإقليمي، تبدي أنقرة حظوة ودعماً غير محدود لحماية الحقوق القومية للأقليات ذات الأصول التركية والتركمانية في دول الجوار، بينما تُطبّق مقاربة أمنية متزمتة تجاه ملايين الأكراد داخل حدودها وفي المحيط الإقليمي. وتتجاوز العمليات العسكرية التركية حدودها الدولية لمنع تشكل أي كيان كردي ذي حكم ذاتي في شمال العراق أو شمال وشرق سوريا.

يُعزز هذا النهج نظام دولي قائم على "المصالح والبراغماتية الجيوستراتيجية"؛ حيث تتغاضى القوى الكبرى (وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) عن السياسات الداخلية لأنقرة لحسابات تتعلق بالتوازنات داخل حلف الناتو، والتنسيق في ملفات الطاقة والهجرة، وإدارة الأزمات الإقليمية.

خاتمة: السلام بلا ضمانات كخيار للانتحار السياسي

تؤكد الدروس المستفادة من انهيار مسار السلام السابق (2013-2015) أن بناء تسوية سياسية على النوايا الفردية أو التوازنات الانتخابية المؤقتة يُعد مخاطرة غير محسوبة. فالتحول الحقيقي نحو السلام يستلزم إجراءات بناء ثقة هرمية وملموسة: تبدأ بتهيئة البيئة القانونية عبر إطلاق سراح المعتقلين القياديين والسياسيين الكرد، وإلغاء التشريعات المقيدة للنشاط السياسي والحزبي، وتثبيت الحقوق القومية واللغوية عبر تعديلات دستورية ملزمة، وذلك تحت إشراف ورعاية دولية محايدة.

وبدون هذه الاستحقاقات الهيكلية، يظل الحديث عن السلام من جانب أنقرة مجرد مناورة تكتيكية ومسار تفاوضي شكلي، يهدف إلى امتصاص زخم القضية الكردية وفرض أمر واقع جديد تحت مظلة الأمن والاستقرار

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon