عصر التحولات الكبرى .. الولايات المتحدة تعيد رسم خريطة العالم

عصر التحولات الكبرى .. الولايات المتحدة تعيد رسم خريطة العالم

جلال شيخ علي

2026-01-06T12:18:02+00:00

في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، لم تعد السياسة الدولية تُدار بالأدوات التقليدية، بل باتت تُصاغ عبر رسائل القوة والردع والتهديدات المباشرة.

في هذا السياق، برزت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في عام 2025 تجاه دول مختلفة، كإشارة واضحة إلى تحوّل استراتيجي في نهج واشنطن، من الدبلوماسية الناعمة إلى سياسة العصا الغليظة.

هذه التهديدات لم تكن مجرد تصريحات عابرة، بل جاءت ضمن رؤية أمن قومي جديدة أعلنتها الإدارة الأميركية .. رؤية تقوم على مبدأ "القوة مقابل المصالح"، وتُعيد تعريف التحالفات والخصومات على أسس براغماتية بحتة.

التهديدات شملت دولًا مثل فنزويلا كولومبيا والمكسيك والدانمارك ، إلى جانب انتقادات لحلفاء تقليديين في أوروبا بسبب ما وصفته واشنطن بـ"الاعتماد المفرط على الحماية الأميركية".

هذه الرسائل تعكس رغبة أميركا في فرض معادلة جديدة: من لا يدفع ثمن الحماية أو لا يلتزم بالمصالح الأميركية، عليه أن يتحمل العواقب.

في الشرق الأوسط، لم تعد الولايات المتحدة ترى المنطقة كساحة صراع أيديولوجي، بل كسوق استثمار وتحالفات اقتصادية وتقنية، مع تقليص الانخراط العسكري المباشر. أما في أوكرانيا، فتستمر واشنطن في ترسيخ دورها كضامن للنظام العالمي الليبرالي الذي بات مهددًا من قبل قوى صاعدة.

ما تريده أميركا اليوم هو الحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة في عالم متعدد الأقطاب. لكنها تدرك أن أدوات الأمس لم تعد كافية، لذا تتبنى استراتيجية هجومية تستند إلى استعراض القوة، وإعادة توزيع الأعباء الأمنية على الحلفاء، والانخراط في صراعات طويلة الأمد مع خصومها الاستراتيجيين، خصوصًا الصين.

هذه المقاربة تخلق حالة من التوتر العالمي، وتدفع العالم نحو مرحلة جديدة من الاصطفافات والتحالفات، حيث تتراجع المؤسسات الدولية أمام صعود السياسات الأحادية، وتُستبدل لغة القانون بلغة السلاح والمصالح.

في ظل هذه التطورات، يبدو أن العالم يتجه نحو نظام دولي أكثر هشاشة، تسوده النزاعات الإقليمية، وتتصاعد فيه احتمالات المواجهات غير المباشرة.

الشرق الأوسط قد يشهد تحولات اقتصادية كبرى، لكن دون استقرار سياسي حقيقي، بينما تبقى أوكرانيا ساحة مفتوحة لصراع الإرادات بين الغرب وروسيا.

أما أوروبا، فتُجبر على بناء استقلالها الدفاعي وتعتمد على نفسها، في وقت تتقلص فيه المظلة الأميركية التقليدية.

في المحصلة، تهديدات الرئيس الأميركي ليست مجرد أدوات ضغط، بل تعبير عن رؤية عالمية جديدة تتبناها واشنطن، تُعيد من خلالها تموضعها في عالم يتغير، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام مزيد من الاضطرابات، وتضع النظام الدولي أمام اختبار وجودي حقيقي.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon