صمت الضمير العالمي: من إبادة اليهود والأرمن إلى محارق الأنفال وحلبجة للأكراد
وهاب شاه محمد
إن ما تعرض له الشعب الكردي في العراق على يد نظام حزب البعث (مثل عمليات الأنفال، وقصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية، وتهجير مئات الآلاف من سكان وقاطني جميع القرى الكردية إلى مقابر جماعية في الغرب والجنوب، وإبادة الكرد الفيلية وتهجير من تبقى منهم إلى إيران) يُصنف قانونياً وإنسانياً كعمليات إبادة جماعية (الهولوكوست أو الجرائم الكبرى ضد الإنسانية). أما عن سبب "الصمت" أو التغاضي النسبي من قبل المجتمع الدولي والدول الكبرى آنذاك، فيعود إلى عدة أسباب جيوستراتيجية وسياسية واقتصادية معقدة، أبرزها:
سياق الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988) / The Context of the Iran-Iraq War (1980–1988): كانت معظم عمليات الإبادة والتهجير الكبرى (وخاصة عامي 1987 و1988 وضربة حلبجة) تقع في أتون الحرب الطاحنة بين العراق وإيران. في ذلك الوقت، كانت القوى الكبرى (الغربية والشرقية على حد سواء) ترى في نظام صدام حسين سداً منيعاً في مواجهة الثورة الإسلامية في إيران، مما جعلها تغض الطرف عن الكثير من الانتهاكات الداخلية بحق المعارضين أو المكونات الكردية تحت مبرر "الضرورات الأمنية والعسكرية للدولة".
المصالح الاقتصادية وعقود التسليح والإعمار / Economic Interests, Arms, and Reconstruction Contracts: كان العراق سوقاً ضخماً للصادرات والتسليح الغربي والشرقي. وكانت العديد من الدول الكبرى متورطة بشكل مباشر أو غير مباشر في تزويد النظام بالعقود التجارية، وتجهيز البنى التحتية، وحتى المواد ذات الاستخدام المزدوج التي دخلت في صناعة الأسلحة التقليدية وبعض البرامج المحظورة؛ لذا كان الاعتراف بتلك الفظائع كـ "إبادة جماعية" في حينها سيفرض قانونياً وأخلاقياً على تلك الدول قطع علاقاتها ومساءلة نفسها عن تورطها غير المباشر، وهو ما فضلت تلك الحكومات تجنبه.
الحسابات الجيوسياسية الباردة / Cold Geopolitical Calculations: خلال الحرب الباردة، كانت الاعتبارات الاستراتيجية لميزان القوى العالمي تطغى تماماً على الاعتبارات الحقوقية والإنسانية. ولم تكن قضية حقوق الإنسان وقفات حاسمة بالقدر الكافي إذا تعارضت مصالح الدول الكبرى مع استقرار الأنظمة الحليفة أو المرتبطة بشبكات المصالح الإقليمية.
شح الأدلة وسيطرة التعتيم الإعلامي / Scarcity of Evidence and Media Blackout: فرض النظام البعثي طوقاً أمنياً محكماً وعزلة تامة على مناطق إقليم كردستان، مانعاً الصحفيين المستقلين ومنظمات حقوق الإنسان الدولية من الوصول إلى مناطق العمليات ونقل الأهوال التي كانت تُرتكب في الخفاء. ومع أن التقارير بدأت تتسرب (مثل تقارير منظمة العفو الدولية وبعض شهادات الناجين)، إلا أن غياب التغطية التلفزيونية الحية والموثقة آنذاك أتاح للحكومة العراقية ترويج روايتها الرسمية التي كانت تصوّر تلك العمليات على أنها "حركات تمرد انفصالية" أو "عمليات أمنية وعسكرية داخلية ضد مخربين وموالين لإيران"، وهو مبرر وجد آذاناً صاغية لدى بعض الدوائر الدبلوماسية المستفيدة من بقاء النظام.
لم يبدأ المجتمع الدولي (أو أجزاء منه) بالاعتراف الرسمي بتلك الجرائم كإبادة جماعية إلا في مرحلة متأخرة لاحقة لسقوط النظام عام 2003 وفتح المقابر الجماعية وظهور الأرشيف السري الضخم للبعث، حيث أقرت برلمانات وعدة محاكم دولية ووطنية (مثل المحكمة الجنائية العراقية العليا ومحاكم في دول مثل السويد هولندا) بكونها جرائم إبادة جماعية بحق الأكراد.
وليس فقط الكرد الفيلية، وانما تهجير الآلاف القرى الكردية وسوق ساكنيها إلى مقابر جماعية أمام أعيّن المجتمع الدولي، وسُميت هذه عمليات بالأنفال لإلغاء الكرد كشعب وإعطاء صفة شرعية إسلامية وباركها كل العالم العربي والإسلامي فقط لأنهم أكراد، كما فعلها ضد اليهود.
إن ما جرى في حملات "الأنفال" وتدمير آلاف القرى يمثل إحدى أبشع صور الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث، والتي تقاطعت فيها الفاشية القومية مع الاستغلال الأيديولوجي للدين من خلال التوظيف الأيديولوجي لاسم "الأنفال" (المستوحى من السورة القرآنية) لإضفاء الشرعية الزائفة والتجريد من الإنسانية، بجانب المسح الشامل للقرى ومحو أكثر من 4,000 إلى 4,500 قرية كردية بالكامل، وتهجير مئات الآلاف من سكان وقاطني جميع القرى الكردية إلى مقابر جماعية في الغرب والجنوب لدفنهم وهم أحياء.
أما موقف العالم العربي والإسلامي، فقد تمثل في الهيمنة القومية والاصطفاف السياسي وتدجين المؤسسات الدينية وصمتها عن إدانة استخدام النصوص الدينية لتبرير قتل المسلمين الأكراد.
وحتى إبادة الأرمن كانت بنفس الطريقة والنفوس القومي والديني، وسكت العالم عن هذه الجرائم التي ارتكبت أمام أعينهم؛ فمن يقرأ شهادات الناجين من الأنفال وحلبجة، يرى أمامه بحذافيرها شهادات الناجين من الهولوكوست النازي ومن مجازر الأرمن. وكأن الطغاة وعصابات القتل الممنهج عبر التاريخ يقرؤون من نفس الكتاب الأسود.
السؤال الكبير والمحير هو أن العالم الغربي الذي يسمى نفسه عالم العدالة والمتحضرة والمدافعة عن حقوق الناس والشعوب، كان من خلال سكوتها عن هذه الجرائم شبه راضية ومتفقة مع إبادة الكرد؛ لأنها لم تمنع شركاتها من توريد المواد الكيميائية والفتاكة وتجهيز معدات آلة القتل لقتل المدنيين الكرد. وقد تورست العديد من الشركات الأوروبية الكبرى بشكل مباشر عبر توفير السلاح والمعدات والمواد الأولية ذات الاستخدام المزدوج، ومن أبرزها:
الشركات الألمانية (مثل كارل كولب Karl Kolb، وواتر إنجينيرينج ترادينغ WET): التي لعبت دوراً محورياً في بناء وتجهيز مجمع سامراء الشهير وغيره من المنشآت الكيميائية لتصنيع غازات الأعصاب والخردل.
الشركات الهولندية (مثل Melchemie، وKBS Holland) ورجل الأعمال فرانس فان أنرات (Frans van Anraat): الذي أدين لاحقاً ببيع مئات الأطنان من المواد الكيميائية السلافية والسلائف الأساسية لإنتاج غاز الخردل للعراق.
الشركات البريطانية (مثل ماتريكس تشرشل Matrix Churchill): المتخصصة في المعدات الهندسية والميكانيكية التي ثبت تورطها بتزويد العراق بتكنولوجيا ومعدات ذات صلة بدعم برامج التسليح وسط غطاء وتنسيق حكومي.
لقد وقفت الحكومات الغربية مع النظام البعثي بكل ثقلها – تماماً كما فعل العالم العربي والإسلامي – ولم يكن الصمت الغربي مجرد "إهمال" أو "عجز"، بل كان تواطؤاً عملياً ومصلحياً سافراً تغاضى عن دماء الأبرياء خلف واجهة النفاق الأخلاقي وازدواجية المعايير.
وفي كل هذه الحالات والإبادة الجماعية ضد هذه الشعوب، ما تزال الكثير من هؤلاء المجرمين والمطخة أيديهم بدماء الأبرياء موجودين بنفس العقلية والكراهية والاستعداد والجهوزية للقيام بعملية الإبادة ضد الكرد واليهود والأرمن في هذه الدول، وهناك من يؤيدهم ويقف معهم في بلدان أخرى. فمن يبرر جرائم الأنفال اليوم، أو ينكر إبادة الأرمن واليهود، يمارس آليات الإنكار والتبرير وتغيير الحقائق وتزييف التاريخ، وقلب الضحية والجلاد، وإعادة تدوير لخطاب الكراهية.
المشكلة بأنني وبعد مرور أكثر من خمسة وأربعين عاماً من العيش في العالم الذي يسمى بالعالم المتحضر الأوروبي، لم أرى أي اعتراض من هذه الشعوب ضد هذه المجازر، وكانت صحف هذه الدول وقياداتها السياسية لا تريد التكلم عن الإبادة الجماعية ضد الأكراد. وأتذكر بشكل خاص تصريح وزير الخارجية السويدي بعد قصف مدينة حلبجة، Sten Andersson، عندما استقبل معاون صدام في ستوكهولم بأن الهجوم على الأكراد بأسلحة كيميائية لم يكن من قبل العراق، بل أن إيران هي التي قامت بهذا العمل، وكلها لكي لا يلوم أحد الاستقبال. إن شهادتك المباشرة وما عايشته طوال أكثر من أربعة عقود ونصف في قلب المجتمع الأوروبي تضع الإصبع بدقة على النفاق السياسي المؤسسي الذي يتخفي خلف الشعارات البراقة للديمقراطية وحقوق الإنسان، وتؤكد أن الضحايا الأبرياء تركوا وحدهم في مواجهة آلة الموت، وأن العدالة الدولية لا تتحرك إلا عندما تتقاطع مع مصالح الكبار.