بيانات التوظيف الأمريكية وتصريحات وارش وآثارها على الانتخابات النصفية القادمة
د. شوان زنكَنة
كشفت بيانات مؤسسة إيه دي بي الصادرة يوم 1 تموز 2026م، أن الاقتصاد الأمريكي أضاف 98 ألف وظيفة فقط في القطاع الخاص خلال شهر حزيران، على خلاف توقعات الأسواق البالغة 118 ألف وظيفة، كما أنها جاءت أقل من القراءة السابقة في شهر أيار البالغة 122 ألف وظيفة، وهذا يعني تباطؤ وتيرة التوظيف في القطاع الخاص بسبب ارتفاع تكاليف الاقتراض والسياسة النقدية الفيدرالية المتشدّدة في ظلِّ استمرار حالة عدم اليقين.
كما وكشف معهد إدارة التوريدات الأمريكي (ISM) يوم 1 تموز 2026م بيانات مؤشر مديري المشتريات التصنيعي لشهر حزيران، إذ سجّل المؤشر 53.3 نقطة، وهي قراءة أقلّ من التوقعات التي كانت تشير إلى 53.8 نقطة، ودون القراءة السابقة في شهر أيار والبالغة 54 نقطة، وإلى جانب ذلك، سجّل مؤشر أسعار مديري المشتريات التصنيعي نحو 73 نقطة، وهو أقل من التوقعات التي كانت تشير إلى 77.7 نقطة، بينما كان هذا المؤشر قد سجّل في شهر أيار قراءة مقدارها 82.1 نقطة، ويُستخدَمُ هذان المؤشِّران كمعيارٍ أساسي لتقييم ظروف العمل والإنتاج والتوظيف والطلبات الجديدة وتسليم الموارد، إضافة إلى مستويات التخزين.
وأعلن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي يوم 2 تموز 2026م عن حالة التوظيف غير الزراعي في أمريكا، وحسب بيانات المكتب، فإن الاقتصاد الأمريكي قد أضاف 57 ألف وظيفة خلال حزيران 2026، وهو أقلّ بكثير من 129 ألف وظيفة في شهر أيار، كما جاء دون توقعات الأسواق البالغة 110 آلاف وظيفة.
هذه البيانات السلبية قد تشير إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي الأمريكي، وقد تقلِّلُ الضغوط التضخمية مُستقبلًا، إذا استمرّت على هذه الوتيرة، وبما تُوحي بتغييرٍ محدود في السياسة النقدية للفيدرالي، ولكنني أعتقد أن هذه البيانات غير دقيقة، وتمَّ ترتيبُها لتوحي بهذا التغيير، وهناك ما يعزّزُ اعتقادي هذا.
فتصريحات كيفن وورش خلال مشاركته في المنتدى السنوي للبنك المركزي الأوروبي المنعقد في مدينة سينترا البرتغالية، بتأريخ 1/7/2026، تشير إلى تحوّلٍ في استراتيجية التواصل مع الأسواق، إذ أطلقَ وورش إشاراتٍ جديدةً تُوحي بتغيرٍ في أسلوب إدارة السياسة النقدية، من خلال التخلّي عن سياسة تقديم التوجيهات المُسبَقة للأسواق، وإلغاءِ معيار التوقّعات المستقبلية في رسم السياسة النقدية، وهي خطوة فعّالة لمنع تأثير تضخم التوقُّعِ على السياسة النقدية للبنك الفيدرالي، فكيفن وورش يسعى للتركيز على البيانات الاقتصادية الفعلية بدل الاعتماد على التوقّعات المستقبلية بشأن مَسار أسعار الفائدة.
كما لفتَ كيفن وورش، رئيسُ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، النظرَ في نفس المنتدى إلى أن أسعار الفائدة لا تزال مرتفعة للغاية، وأنه ملتزِمٌ بتحقيق استقرار الأسعار، وأن قيادة الاحتياطي الفيدرالي ستبقى مُستقِلّةً بغضِّ النظر عما يقوله الرئيس ترامب، كما أشارَ إلى أن مخاطر التضخّم تراجعتْ خلال الأسابيع الأربعة الماضية.
هذه التصريحاتُ تُوحي، شئنا أم أبينا، أن وورش واقعٌ تحت تأثير ترامب، لذلك يسعى إلى تصوير حالة الاقتصاد الأمريكي بشكلٍ ينسجمُ مع سياسةٍ نقديةٍ مَرنةٍ، وإن كانت مع بدايات السنة القادمة، وقد جاءت هذه التصريحاتُ لِتدفعَ بالأسواق نحو الارتفاع، وبالتزامن مع تصريحات ترامب الإيجابية حول الاقتصاد الأمريكي وضرورة تنشيط الأسواق.
وليستْ هذه البيانات والتصريحات بعيدةً عمّا يدورُ من صراعٍ في الشرق الأوسط، فقد فرشَ ترامب فترةَ الصراع مع إيران على مدار عدّة أشهرٍ من خلال مذكّرة التفاهم الأمريكية الإيرانية الهشّة، بهدف السيطرة على أسعار النفط وسلاسل الإمدادات، لِتَلافي ضغوط التضخّم في أمريكا، وفسحِ المجال لتغيير السياسة النقدية وإكسابِها المرونةَ اللازمةَ، بجانب تصميمِ وهندسةِ قراءاتِ المؤشّراتِ المؤثِّرةِ في سعر الفائدة، وقد نجحَ في ذلك أيَّما نجاحٍ!.
ترامب في حاجة إلى إشعار المواطن الأمريكي بتَحسُّنٍ ملموسٍ في الاقتصاد، لتعزيز وضعه، ووضع حزبه الانتخابي في الانتخابات النصفية القادمة، نهاية هذا العام، لذلك، لا بُدَّ من تخفيضٍ محدودٍ لمُعدّل التضخّم، سواء بعرض بيانات غير دقيقة، أو الطلب بخفض أسعار المنتجات النفطية، أو التأثير على أسعار النفط العالمية، من خلال تصريحاته الإيجابية حول المفاوضات مع إيران، أو بالتفاهم مع كيفن وورش حول هندسة سياسةٍ فيدرالية مرنة.
أعتقدُ أن الفيدرالي سيحافظ على أسعار الفائدة الحالية دون تغييرٍ، مع إصدار بياناتٍ إيجابيةٍ بشأن مسارٍ مَرنٍ للفائدة خلال هذه السنة، كما وأعتقدُ أن نهايةَ فترة مذكّرة التفاهم ستكون بدايةً لمرحلةٍ سياسيةٍ جديدةٍ بخصوص إيران والشرق الأوسط، إلا أنني أعتقدُ، كذلك، أن التضخّمَ لن ينخفضَ عن 3%، وسعرَ الفائدة عن 3.5%، خلال الفترةِ المتبقّية من هذا العام، والنصفِ الأول من العام القادم، إذا استمرّ الفيدرالي بانتهاج سياسته الحالية.