انهيار الأخلاق الرقمية.. ظاهرة الشتائم والطعن بالأعراض بسبب الاختلاف بالرأي
اسعد عبدالله عبدعلي
اثار استغرابي عندما اقرا تعليقات المجتمع على منشورات سياسية وتاريخية بل وحتى رياضية , حيث تصل الى حد الطعن بالأعراض فقط لأنه يختلف معه بالراي, فمن خالفهم يجب ان يكون ابن حرام, لآنه يجزم ان رايه معصوم من الخطأ. وهذا قمة الجهل والانحراف وهو مع الاسف في تكاثر عجيب.
كان يجب ان يكون الاختلاف في الرأي هو المحرك الأساسي لتوليد الأفكار، وتطوير السياسات، وإثراء التنوع الفكري والثقافي. غير أن المشهد في المجتمع العراقي يشهد انحرافاً حاداً ومقلقاً عن هذه القاعدة؛ حيث يتحول التباين في وجهات النظر من مساحة للحوار البناء إلى حلبة صراع مفتوحة تُستباح فيها الكرامة الإنسانية، وتغيب فيها لغة العقل لصالح ثقافة السب، والشتم، والتجاوز الشخصي... هذه الظاهرة لها تجلياتها العميقة في مجتمعنا, فحين يتصفح المرء منصات التواصل الاجتماعي أو يستمع إلى النقاشات العامة في الشارع العراقي، يفاجأ بحجم الكثافة اللفظية الهابطة, وسهولة الانزلاق نحو التخطئة والتشهير بمجرد أن يطرح شخص رأياً مخالفاً للمألوف. فما هي الأسباب لهذه الظاهرة المستشرية؟ وكيف يمكن للمجتمع العراقي أن يتعافى منها ليبني ثقافة حوار تستوعب الجميع؟
من المؤكد ان الظاهرة لها اسباب, فليست وليد الصدفة, بل هو ثمرة تفاعل معقد لعدة عوامل تاريخية ونفسية واجتماعية وسياسية
· اولا: الإرث الصدمي وتراكمات العنف السياسي والاجتماعي
لعقود طويلة، تركت السلطات الغاشمة والحروب العبثية والسياسات الرعناء, إرثاً دامياً حفر ندوباً عميقة لا تُمحى في ذاكرة ووجدان الشعب العراقي، فلم يكن الدمار الماثل في البنى التحتية سوى واجهة هزيلة لخراب نفسي واجتماعي أشد وأقسى, صاغته آلة الموت الطاغوتية, والعقوبات الدولية الظالمة التي أكلت الأخضر واليابس.
إن التاريخ السياسي الحديث للعراق يعج بالاستبداد المطلق, الذي غاب فيه صوت العقل وأُسكتت الألسنة بالقمع والاعتقال والتصفية الجسدية المنهجية لمعارضي السلطة، وهو مناخ قائم على الإرهاب الحكومي زرع في الفرد رعباً جذرياً, وجعل التعبير عن الرأي خطيئة تكلف الإنسان حياته، لينشأ إثر ذلك مجتمع مأزوم, يعيش في حالة استنفار عصبي دائم بعد أن تلت ديكتاتورية الدم حروب عبثية متلاحقة وسنوات عجاف من الحصار الدولي القاسي في التسعينيات الذي أفقر العباد ودمر الطبقة الوسطى وجعل البقاء معركة شرسة.
وما إن تنفس المجتمع الصعداء حتى زُج به في أتون حرب أهلية وعنف طائفي وإرهاب أعمى بعد عام 2003 تحولت فيه الهوية والكلمة إلى سبب للقتل الفوري، لتفرغ هذه الصدمات المتلاحقة المؤسسات الاجتماعية من قدرتها على الاحتواء وتحول الشارع إلى غابة يحكمها قانون الخوف.
ونتيجة لهذا التراكم المرير تحول الأمر إلى مجتمع تدافعي متوتر يفقد فيه الفرد القدرة على تقبل الحوار أو الاختلاف الطبيعي، فيرى في الرأي الآخر خنجراً موجهاً لرقبته, ويلجأ غريزيّاً وبشكل عدائي إلى الهجوم الاستباقي, والشتائم, والرفض المطلق, كدرع واقٍ يحمي به هشاشته النفسية العميق.
· ثانيا: غياب دولة المؤسسات وسيادة القانون وهشاشة الردع
حين تتهاوى هيبة الدولة المدنية وتتراجع سيادة القانون لتتوسد المذلة لصالح الأعراف الفرعية والعشائرية والانتماءات الحزبية الضيقة، يرتع الغوغاء في ساحة الفوضى بشعور مقيت بالحصانة الوهمية في الفضاء الرقمي والواقعي على حد سواء، وكأنهم فوق العقاب وفوق المبدأ.
إن غياب السلطة الرادعة والتطبيق الصارم للقانون ضد جرائم التشهير والسب العلني, قد حول وسائل التواصل الاجتماعي من فضاء للتواصل والارتقاء إلى مزبلة علنية, ومساحة مباحة بلا خجل للتنفيس عن العقد النفسية والأمراض المستحكمة بلا أدنى خشية من ملاحقة أو مساءلة، فصار الشاتم الجبان آمناً مطمئناً من أي عقاب، يمارس سفالته اليومية محتمياً بضعف الدولة وبتواطؤ منظومة مجتمعية تبارك الابتزاز والانحطاط، لتتحول الشاشات إلى خنادق يطلق منها السفهاء سمومهم وهم يظننون أنهم خالدون لا يمسهم سوء، في أبشع صورة لانهيار الأخلاق وضياع الحقوق تحت طائلة الإفلات الفاضح من العقاب.
· ثالثا: ثقافة الاستقطاب العصبي والهويات الفرعية
تبّاً لهذا الوحل الآسن الذي يسمى خطابات عامة في العراق، حيث تتقاذفه عصابات الحزب والطائفة ونتن العشائر والمناطقية البغيضة، في مهزلة تاريخية فرغت الوطن من معناه وجعلت العيش فيه جحيماً لا يُطاق.
في ظل هذه الهويات المغلقة والمتحجرة، انحدر الفكر إلى أدنى درجات الانحطاط؛ فلا مكان لشريك في الوطن أو لصوت عاقل يطرح رؤية تُمتحن بمنطق أو حوار، بل يُرمى المخالف في الرأي بنعوت التخوين ويُصنف كـ "خصم" نجس يجب تسقيطه وقتله معنوياً وإلغاؤه من الوجود بلا هوادة.
إن هذا الاستقطاب الحاد والمقيت قد حول ساحات النقاش إلى ميادين للرعاع، حيث بات التجاوز اللفظي والشتائم السافحة العملة الرائجة والوسيلة الدنيئة الوحيدة لإثبات الولاء الأعمى للجماعة وتأكيد الانتماء للقطيع، فصار الوغد يتفاخر ببذاءته طالما أنها تُرضي غرور حزبه أو عشيرته، في أبشع سقوط أخلاقي يثبت أن هذه العصبيات قد دمرت عقل الأمة وأغرقت حاضرها في مستنقع الجهل والاستئصال.
· رابعا: الانفجار الرقمي وغياب التربية الإعلامية
ان هذا الانفجار التكنولوجي الأعمى هو الذي ألقى بهواتف الذكاء والغباء معاً في أيدي قطيع همجي, يفتقر لأدنى مقومات الثقافة الرقمية أو الوعي الإنساني، فبدلاً من أن تكون منصات التواصل نوافذ للرقي والمعرفة، تحولت بفضلهم إلى مفرخات للجهل والبذاءة تقذف سمومها في كل وجه بلا حياء أو رادع.
إن غياب أي أبجدية لآداب الحوار الرقمي قد تزاوج مع داء "الجيوش الإلكترونية" الجبانة وحساباتها الوهمية المأجورة التي تقودها عصابات وأحزاب لا تعرف سوى التخريب، ليصبح المجتمع أسير حسابات رخيصة تبحث عن تفاعل تافه وتصنع "ترنداً" قذراً على أطلال القيم والأخلاق عبر إثارة غرائز الغوغاء وإشعال حروب الصراعات الوهمية، وكل ذلك لأجل إرضاء نزوات مرضية أو قبض ثمن بخس من سحت الحزب والزعيم، في مهزلة رقمية فاضحة تجسد أبشع صور الانحطاط القيمي وتثبت أن التكنولوجيا حين تقع في أيدي الجهلة تصبح سلاحاً مدمراً, يغرق المجتمع في بحر من الشتائم والانحطاط غير المسبوق.
· أفكار وحلول لمعالجة الأزمة وإصلاح الخطاب العام
إن معالجة هذا الخلل الثقافي والأخلاقي تتطلب شجاعة مجتمعية وجهوداً متكاملة على عدة مستويات، بعيداً عن الحلول الترقيعية:
1. تفعيل القوانين الرادعة للجرائم الإلكترونية والتشهير:
لا يمكن أبداً الحد من هذه التجاوزات اللفظية الوضيعة والشتائم لم تُسنّ فوراً تشريعات قانونية صارمة كالسيف، تُطبق بعدالة مطلقة على الكبير قبل الصغير, لمنع مهزلة الإساءة والتشهير والابتزاز الإلكتروني التي تعيث فساداً في كل مكان، فتاريخ العبث هذا لن يتوقف إلا بقانون صارم يضع حداً قاطعاً لسياسة الإفلات الفاضح من العقاب التي أمن بها السفهاء. ولذا يجب أن تُفرض هيبة الدولة بقرارات صارمة ترسخ رسالة واحدة لا تقبل التأويل بأن حرية التعبير المزعومة ليست ترخيصاً للسب والبذاءة، بل هي حق تنتهي حدوده الفاصلة فوراً حيث تبدأ كرامة الآخرين وحرياتهم المصونة، ليعلم كل وضيع أن القانون بالمرصاد لكل من تسول له نفسه انتهاك أعراض الناس وكراماتهم.
2. إصلاح المناهج التعليمية وغرس ثقافة الاختلاف
إن التعليم هو حجر الأساس الصلب الذي لا مفر منه لأي تغيير حقيقي ومستدام في بنية المجتمع العراقي الذي أنهكته عقود الجهل والتخلف المنهجي، ولذا بات لزاماً وبشكل عاجل إعادة صياغة المناهج الدراسية لتتحرر من أسر التلقين والحفظ الأعمى الذي يفرز عقولاً جامدة تفتقر للوعي، ولتتجه بشكل مكثف وحاسم نحو بناء إنسان واعٍ.
عبر إدراج مواد وبرامج تركز بقوة على تعليم مهارات التفكير النقدي والمنطقي التي تمكن النشء من تفكيك الأكاذيب ورفض التبعية العمياء، وتدريب الأجيال الجديدة عمليةً ونظرياً على كيفية الاستماع للرأي الآخر وتقبله برحابة صدر بدلاً من غريزة الإلغاء والتكفير السائدة.
فضلاً عن غرس مفاهيم آداب الحوار وأخلاقيات النقاش الديمقراطي الراقي منذ المراحل المدرسية المبكرة لتكون جزءاً لا يتجزأ من الهوية الفكرية للطفل، لضمان نشوء جيل يقدس الحجة بالحجة ويحترم كرامة المختلف عنه، مقتلعاً بذلك جذور البذاءة والتعصب العشائري والحزبي من عقلية الأمة قبل أن تترسخ.
3. دور النخب الثقافية والدينية والإعلامية في تهذيب الخطاب
تحمل النخب المؤثرة في المجتمع العراقي من صناع محتوى، وإعلاميين، ومثقفين، ورجال دين، مسؤولية أخلاقية وتاريخية كبرى في هذا السياق؛ إذ يجب عليهم القيادة بالقدوة الحسنة والامتناع بشكل قاطع عن استخدام لغة التخوين والتحقير في برامجهم ومنابرهم التي تساهم في تسميم الوعي الجمعي.
بالتوازي مع ضرورة مقاطعة الأصوات الشعبوية الرخيصة التي تقتات على إثارة الفتن والشتائم, لتحقيق أعلى نسب المشاهدات والترندات الوضيعة، والترويج بدلاً منها وبكل حزم للشخصيات الرصينة والكفاءات الواعية التي تطرح أفكارها برقي وهدوء، لإنقاذ المشهد العام من براثن الغوغائية والابتذال.
· ختاما:
إن إنقاذ العراق من هذا المنحدر السحيق, وتطهير وعيه الجمعي من أدران البذاءة والتعصب, لا يتحقق بالأماني المؤجلة، بل يتطلب انتفاضة شاملة تبدأ من صرامة القانون وحزم الدولة لتطال كل عابث، وتمر عبر ثورة تعليمية تقتلع جذور التلقين الأعمى.
وتستلزم موقفاً أخلاقياً حاسماً من النخب لتقویم البوصلة وضبط الخطاب العام؛ فوطن بلا حوار هو وطن بلا مستقبل.
وإن استعادة هيبة الكلمة واحترام الإنسان هما الممر الإجباري الوحيد لإخراج المجتمع من سراديب الخوف والجهل نحو فضاءات الدولة المدنية العادلة والآمنة.