القاعدة الإسرائيلية في الصحراء العراقية

القاعدة الإسرائيلية في الصحراء العراقية

احمد حسين

2026-05-10T22:42:42+00:00

ضجت وسائل الإعلام العالمية والإقليمية والعربية والعراقية ومواقع التواصل الاجتماعي خلال اليومين الماضيين بسبق صحفي يتحدث عن قيام إسرائيل وأميركا بإنشاء قاعدة عسكرية في الأراضي العراقية وتحديداً في صحراء النجف وكربلاء، النجف وكربلاء؟، نعم!، مركز ثقل الشيعة في العراق والعالم؟، نعم!، والحكومة العراقية ومجلس النواب والسلطة القضائية والقيادات العسكرية والأمنية والاستخبارية، تعلم بذلك؟، نعم!، والجميع سكت؟، نعم!، والفصائل الشيعية المسلحة سكتت؟، نعم!، وعموم الشيعة سكتوا؟، نعم!، وحتى المرجعية الدينية العليا سكتت؟، نعم!، هل كل هذه المسميات التي ذكرتها أعلاه تعيش في العراق أم في كوكب آخر؟!.

طيب لنفترض أن جميع هذه المسميات سكتت و"غلّست" و"تخاذلت"، لكن هل هناك عاقل يقتنع أن إسرائيل بكل أجهزتها وقياداتها العسكرية والأمنية والاستخبارية والسياسية ترسل -وبإسناد أميركي- مجموعة "نعاج" ليتم ذبحها في العراق وما من أحد في إسرائيل يعترض، حتى القوى المعارضة لنتنياهو وحكومته؟، نعم!، هكذا تم تسويق هذه..... الحقيقة لا أعرف ماذا أسميها.

هذا السبق الصحفي العظيم الذي فجرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، وصحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية، وصحيفة "معاريف" العبرية، وهي أسماء لها رنينها وبريقها في عالم الصحافة العالمية، يكشف حقيقة أن حتى الأسماء العظيمة في عالم الصحافة والإعلام من السهل أن تكون "بيدق" بأيدي السياسيين وأجهزة المخابرات من أجل المال أحياناً وبدوافع سياسية أو عنصرية أو طائفية أحياناً أخرى، لكن بطريقة مخجلة بل مخزية.

هذا السبق الصحفي يمكن تلخيصه بالتالي:

اجتمع قادة ورؤساء المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخبارية والسياسية الإسرائيلية وقالوا فيما بينهم: الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية وصلت إلى تل أبيب ولكل منطقة في إسرائيل، وكذلك الحال بالنسبة لمسيرات الفصائل العراقية، وهي تحقق أهدافها وكلفتنا خسائر مادية جسيمة وكذلك خسائر بشرية، فلماذا لا نختصر عليهم الطريق ونقرب المسافة وبدلاً من أن يتكبد الصاروخ الإيراني مسافة تتجاوز الألف كيلومتر يقطعها في السماء ليقتل مدني أو جندي إسرائيلي دعونا نشيد قاعدة عسكرية في الأراضي العراقية وبذلك نختصر المسافة على أعدائنا لقتل جنودنا.

صفق الجميع واحتفلوا بهذه الفكرة واحتسوا نخب العبقرية، فما كان من نتنياهو إلا أن يتصل بترمب ويطلعه على هذه الخطة الفذة، والرئيس الأميركي بدوره رحب بالفكرة وكذلك القيادات العسكرية والأمنية والاستخبارية الأميركية رحبت وصفقت لذلك، واتفق الجميع على إنشاء "مذبح" للجنود الإسرائيليين والأميركيين في العراق.

لكنهم اختلفوا أين يكون هذا "المذبح"؟، فلم يجدوا أفضل من صحراء تحيط بها أهم حاضنة شيعية في العالم ألا وهي كربلاء والنجف التي منذ أن وُجدت إسرائيل ولغاية اليوم لم تنقطع عن معاداتها والتحريض عليها وتشجيع كل الأنشطة السياسية والقانونية والاقتصادية والمسلحة وكل وسيلة للقضاء على إسرائيل، وأيضاً صفق الجميع واحتسوا نخب فكرتهم العظيمة وخطتهم العبقرية.

هل حقاً علينا أن نصدق هذا الهذر والهلوسة؟!.

طبعاً وسائل الإعلام التي نقلت هذا الخبر سواء كانت عراقية أو غيرها لا لوم عليها فهي مجرد ناقل لخبر مثير ومهم وفق المعايير الصحفية "المهنية"، وناقل الكفر ليس بكافر، وبالتالي واجبها المهني يفرض عليها نقل هكذا خبر سواء صدقته أم لم تصدقه فليس من واجب الصحفي أن لا ينقل ما لا يصدقه، أنا أتحدث من الناحية المهنية وليس العاطفية.

قصة هذه القاعدة الإسرائيلية الافتراضية باختصار شديد كالتالي:

بعد أن شنت أميركا وإسرائيل الحرب على إيران صباح يوم 28 شباط/ فبراير 2026 واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، ردت القيادة الإيرانية بقصف منظومات إنذار مبكرة أميركية في البحرين وقطر والخليج عموماً، لكن أهمها كان الرادار (AN/FPS-132) المعروف باسم "Pave PAWS"، وهو رادار إنذار مبكر تبلغ تكلفته 1.1 مليار دولار أميركي، عال التردد جداً ويصل مدى كشفه للطائرات والصواريخ إلى أكثر من خمسة آلاف كيلومتر وتم نصبه في الخليج لرصد الأنشطة الصاروخية الإيرانية تحديداً لحظة انطلاقها، أي قبل أكثر من ساعة من وصولها إلى إسرائيل.

بعد تدمير هذا الرادار دخلت إسرائيل وأميركا في حالة "عماء جوي" ولم تتمكن من رصد الهجمات الإيرانية والعراقية إلا بعد دخولها الأجواء الإسرائيلية أو الأردنية، أي قبل دقائق من الوصول إلى الهدف.

وعلى خلفية ذلك تفتقت العقلية الإسرائيلية والأميركية عن خطة تبين غبائها لاحقاً، وهي أن يقوم الجيش الأميركي بنشر رادارات صغيرة ذات مديات محدودة في الصحراء الغربية العراقية لرصد الصواريخ والمسيرات الإيرانية والعراقية عند تحليقها في الأجواء العراقية، ما يمنح إسرائيل وأميركا وقتاً لرصدها وإسقاطها.

أما اختيار صحراء النجف وكربلاء فهو لأن صحراء الأنبار وصلاح الدين ونينوى تخضع لعمليات تمشيط مستمرة لتطهيرها من خلايا تنظيم "داعش" على عكس النجف وكربلاء التي لا تحتاج لهذا النشاط المكثف، وبالتالي فهي الأرض الأنسب لنشر منظومة الرادارات، لكن الخطة فشلت في ساعتها الأولى.

الخطة لم يتم اكتشافها بالصدفة من قبل راعي أغنام كم أُشيع في وقتها، بل منظومة الدفاع الجوي العراقية رصدت نشاطاً جوياً في المنطقة وتم إرسال دورية عسكرية لاستطلاع الأمر فاشتبكت معها القوة الأميركية، وتم إرسال تعزيزات عسكرية وأيضاً تعرضت لإصابات بشرية وخسائر مادية، وبالتالي انكشفت الخطة وانسحبت القوة الأميركية.

هذا ما حدث وهذه هي الحقيقة، والكلام ليس من جيبي بل من مصادر عسكرية استقيت منها هذه المعلومات.

أما الحديث عن قاعدة عسكرية إسرائيلية أو حتى أميركية فهو هذيان لا أكثر، القواعد الأميركية في العراق ورغم تحصينها الشديد لم تتمكن من حماية من فيها من الهجمات العراقية والإيرانية فهل من المعقول أن تُنشئ قاعدة في صحراء من السهل رصدها وقصفها بصواريخ الكاتيوشا بل وحتى مدافع الهاون؟!.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon