العراق بين سلطة الدولة وسلاح الميليشيات

العراق بين سلطة الدولة وسلاح الميليشيات

نوري بيخالي

2026-03-16T13:40:47+00:00

يعيش العراق اليوم واحدة من أخطر أزماته البنيوية منذ قيام دولته الحديثة، حيث لم تعد السلطة السياسية والأمنية حكراً على مؤسسات الدولة، بل أصبحت موزعة بين الحكومة الرسمية وقوى مسلحة موازية تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً واسعاً. وفي قلب هذه الأزمة تبرز الميليشيات المسلحة التي تحولت من جماعات تشكلت في ظروف سياسية وأمنية استثنائية إلى قوى فاعلة تنافس الدولة نفسها في النفوذ والقرار.

تعود جذور هذه الظاهرة إلى عقود من الاضطرابات والصراعات التي عاشها العراق، غير أن التحول الأكبر حدث بعد عام 2003، حين انتقلت تلك الفصائل من العمل السري إلى العلن، ومن موقع المعارضة إلى المشاركة المباشرة في الحكم. ومنذ ذلك الحين تبنت هذه القوى نموذجاً مزدوجاً يجمع بين العمل السياسي والعسكري في آن واحد؛ فهي تمتلك أحزاباً تشارك في الانتخابات وتشغل مناصب حكومية، وفي الوقت ذاته تحتفظ بأذرع عسكرية تعمل خارج الإطار المؤسسي للدولة.

هذا النموذج أوجد واقعاً سياسياً وأمنياً معقداً، حيث أصبحت مؤسسات الدولة نفسها ساحةً للصراع على النفوذ. فقد تمكنت هذه الفصائل من التغلغل في مفاصل حكومية حساسة، خاصة في المؤسسات الأمنية والخدمية، ما أتاح لها توسيع شبكاتها السياسية والاقتصادية وتعزيز قدرتها على التأثير في القرار العام. ومع اتساع هذا النفوذ، برزت مظاهر الفساد والمحسوبية، وتحولت بعض مؤسسات الدولة إلى أدوات لتكريس الولاءات السياسية بدلاً من خدمة المواطنين على أساس الكفاءة والمواطنة.

لكن الخطر الأكبر لا يكمن في النفوذ السياسي فحسب، بل في التداعيات الأمنية والاجتماعية التي رافقت صعود هذه الجماعات. فوجود قوى مسلحة خارج السيطرة الكاملة للدولة أوجد حالة من الازدواجية في القرار الأمني وأضعف قدرة المؤسسات الرسمية على فرض سيادتها. كما أسهم انتشار السلاح غير المنضبط في تكريس ثقافة العنف وتآكل الثقة بالقانون، وهو ما انعكس سلباً على حياة المواطنين وأمنهم اليومي.

وفي السنوات الأخيرة برز بعدٌ أكثر خطورة في نشاط بعض فصائل الحشد الشعبي، تمثّل في استهداف إقليم كوردستان بهجمات متكررة بطائراتٍ مسيّرةٍ مفخخة، وزادت حدّة هذه الهجمات الإرهابية مع الحرب الدائرة بين إيران وأمريكا. ورغم ادّعاء هذه الفصائل أن عملياتها تستهدف مصالح أمريكية، إلا أن الواقع أثبت أن هذه الهجمات طالت مناطق مدنية ومنشآت اقتصادية، ما أدى إلى تعريض حياة المدنيين للخطر وزعزعة الاستقرار في الإقليم. هذه العمليات لا تمثل فقط خرقًا واضحًا لسيادة القانون، بل تهدد أيضًا السلم الأهلي وتعمّق الانقسامات داخل العراق.

إن استمرار مثل هذه الهجمات يضع العراق في موقع بالغ الخطورة، إذ قد يؤدي إلى جر البلاد إلى صراعات إقليمية ودولية لا يملك القدرة على تحمل تبعاتها. فالدخول في مواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الدولية عبر هجمات الميليشيات قد يفتح الباب أمام تصعيد عسكري أو عقوبات سياسية واقتصادية، ما يعني أن ثمن هذه المغامرات لن تدفعه تلك الفصائل وحدها، بل سيدفعه الشعب العراقي بأكمله.

كما أن هذه الممارسات تؤدي الی استمرار دوامة الفوضى التي تهدد بتحويل البلاد إلى ساحة صراع دائم وتزيد من عزلة اقتصاده، في وقت يحتاج فيه البلد بشدة إلى الاستقرار لجذب الاستثمارات ومعالجة أزماته الاقتصادية والبطالة المتزايدة بين الشباب. فاقتصاد العراق لا يمكن أن ينهض في ظل بيئة أمنية غير مستقرة وسلاح منفلت يتجاوز سلطة الدولة.

والحقيقة الواضحة اليوم أن بقاء السلاح خارج سلطة الدولة لا يهدد النظام السياسي فحسب، بل يهدد مستقبل الدولة نفسها. فالدولة التي تتقاسم سلطتها مع الميليشيات لا يمكن أن تكون مستقرة، ولا قادرة على حماية مواطنيها أو رسم مستقبل آمن لأجيالها القادمة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon