"الستين".. ذروة العطاء المهدرة بجرة قلم

"الستين".. ذروة العطاء المهدرة بجرة قلم

ماجد سوره ميري

2026-04-26T22:08:01+00:00

   في مثل هذه الأيام من العام الماضي؛ وبين ليلة وضحاها، وجدت نفسي أقف خلف عتبة التقاعد في سن الستين، لا بقرار مني  ولا برغبة في الراحة، بل بموجب تعديل قانون التقاعد الموحد، الذي خفض سن الإحالة على التقاعد من 63 إلى 60 عاما.

لم يكن هذا التعديل مجرد تغيير في الأرقام، بل كان بترا لسنوات تمثل في العرف الوظيفي "ذروة العطاء" و"سنوات الحكمة والخبرة المتراكمة".

خرجتُ من دائرتي التي تدرجت فيها حتى نلت شرف رئاسة قسم، ليس فقط براتب تقاعدي لا يفي بأدنى متطلبات الكرامة الإنسانية لعائلة تضم طلابا جامعيين وتلاميذ، بل خرجت وأنا أشعر بغصة "العطالة الإجبارية".

 كيف يقذف بموظف أمضى سنوات طوال في بناء خبراته، ودخل دورات تطويرية، وصهر سنوات من عمره في فهم دهاليز الإدارة، إلى رصيف الانتظار وهو في أوج اندفاعه واستقراره؟.

لم تقتصر الخسارة على المستوى الشخصي. فعلى مستوى الدولة، خسرت المؤسسات الحكومية فجأة طبقة من ذوي الخبرة الذين يمثلون العمود الفقري لنقل المعرفة إلى الأجيال الشابة، مما أوجد فجوة إدارية واضحة في كثير من الدوائر.

حتى المسؤول الأول في هيئة التقاعد العامة، وصف هذا القرار في أكثر من مناسبة بأنه قرار "غير مدروس"، وكشف عن أضراره على الهيئة وعلى استقرار المؤسسات. 

أما على مستوى الموظف، فقد وجد جيل الخريجين السابقين – الذين لم يتم تعيينهم في عهد النظام السابق والمتعينين بعد 2003 – نفسه في مأزق حقيقي؛ فهؤلاء لم يسعفهم الوقت لبناء خدمة طويلة تؤهلهم لراتب تقاعدي مجز، فوجدوا أنفسهم أمام "راتب الحد الأدنى" الذي لا يكاد يسد الرمق في ظل غلاء المعيشة المتسارع.

وهذا في وقت يُقدر عدد المتقاعدين في العراق اليوم بنحو ثلاثة ملايين، ويعاني صندوق التقاعد من عجز مالي متفاقم منذ التعديل.

لقد تم تبرير هذه الخطوة حينها بأنها تهدف إلى فتح المجال أمام الشباب، وهي غاية نبيلة في ظاهرها لا خلاف عليها (ولكن في بواطن الأمور أشياء أخرى؛ ليست بعيدة عن سياسات الأحزاب الحاكمة لفرض هيمنتها على مفاصل الحياة كافة)، لكن هل تبنى الأوطان بطرد الخبرات وإحلال الشباب دون نقل المعرفة والاستقرار الإداري؟

 إن الإصلاح الحقيقي لا يكون بإحالة الطاقات المنتجة إلى الاستهلاك قبل أوانها؛ بل بخلق فرص عمل جديدة في القطاع الخاص والعام معا، وباستثمار أفضل لأموال الصندوق، وبتمييز إيجابي لأصحاب الخدمة القصيرة.

اليوم، أتحدث بلساني وبلسان جيش من المتقاعدين الذين يشعرون بأنهم عوقبوا على إخلاصهم وتفانيهم في خدمة الدولة؛ غادرنا وظائفنا خاليي الوفاض من المال، ممتلئين بالمرارة تجاه تشريع لم يراع ظروفنا الاجتماعية، ولا قوتنا البدنية التي لا تسمح لنا بالبدء من الصفر في أعمال شاقة.

إن إعادة النظر في قانون التقاعد – برفع السن إلى 63 عاما كما اقترحت اللجنة المالية في مجلس النواب، أو على الأقل إنصاف أصحاب الخدمة القصيرة برواتب تحفظ لهم كرامتهم – ليس ترفا، بل واجب أخلاقي ووطني يقع على عاتق الحكومة ومجلس النواب.

إن الكرامة لا تتقاعد، والخبرة ثروة وطنية لا ينبغي أن تهدر بجرة قلم تشريعية لم تراع الواقع؛ لقد حان الوقت لسماع صوت هذا الجيش من المتقاعدين قبل فوات الأوان.

----------------------

كتبت المقالة بمناسبة مرور عام على إحالتي القسرية على التقاعد

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon