الباتريوت الأمريكي ورسائل القوة المؤجلة: حين تتحول اوكرانيا إلى ترسانة الغرب المهددة للاصطفافات
دعاء هزاع الجابري
ففي الحروب الكبرى لا تمنح الأسلحة بوصفها أدوات للدفاع والهيمنة بل تمنح بوصفها خرائط جديدة للنفوذ ومفاتيح لإعادة تشكيل موازين العالم ، وحين يتحدث البيت الأبيض عن إمكانية منح أوكرانيا حق تصنيع منظومات " باتريوت " فإن الأمر يتجاوز بكثير حدود التعاون العسكري التقليدي ، إذ يدخل في صلب الفلسفة الأمريكية القائمة على تحويل الجغرافيا المتوترة إلى خطوط دفاع متقدمة ، وتحويل الحلفاء إلى قلاع مسلحة تتكفل بحراسة المصالح الأمريكية لعقود طويلة ، فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية لم تكن " كييف " بالنسبة لواشنطن مجرد دولة تواجه خطرا وجوديا بل تحولت تدريجيا إلى مختبر استراتيجي تختبر فيه أسلحة الغرب وقدرته على استنزاف الخصم الروسي دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة ، لكن الوعد الأمريكي الأخير الذي يلوح بإمكانية تصنيع منظومات " باتريوت " داخل أوكرانيا ، يكشف عن مرحلة أكثر عمقا وخطورة ، مرحلة لا تكتفي فيها الولايات المتحدة بدعم أوكرانيا عسكريا بل تسعى إلى إعادة هندستها كقوة عسكرية دائمة على حدود روسيا
إن بناء صناعة دفاعية أوكرانية متقدمة لا يعني إنتاج صواريخ ورادارات فحسب بل يعني تأسيس بنية استراتيجية كاملة تجعل من " كييف " رأس حربة غربيا في قلب أوروبا الشرقية ، وهنا تكمن المفارقة الكبرى ، فالحرب التي اندلعت تحت شعار حماية الأمن الأوروبي قد تتحول مع مرور الوقت إلى السبب المباشر في إنتاج تهديد جديد داخل القارة ذاتها ، فالولايات المتحدة التي تدرك هشاشة التوازنات الأوروبية لا تنظر إلى أوكرانيا باعتبارها دولة منهكة تحتاج إلى إعادة إعمار لبنيتها التحتية بل تراها ورقة ضغط مستقبلية يمكن توظيفها في أي مواجهة قادمة مع " موسكو " ، ومن خلال تزويدها بالتكنولوجيا العسكرية المتقدمة وإعادة بناء جيشها وفق العقيدة الغربية ودمجها تدريجيا في المنظومة الأمنية لحلف شمال الأطلسي ، فإن واشنطن ترسم ملامح شرق أوروبي جديد ، شرق يمتلك من القوة ما يجعله قادرا على فرض معادلات مختلفة على الجوار " الروسي والأوروبي " معا ، أما روسيا فإنها تدرك أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الصواريخ ذاتها بل في الزمن الذي يلي الحرب ، فموسكو لا تخشى أوكرانيا بوضعها الراهن بقدر ما تخشى أوكرانيا التي ستولد من رحم هذه الحرب ، دولة مثقلة بالعداء التاريخي ومزودة بأحدث التقنيات العسكرية ومحصنة بدعم سياسي واقتصادي غربي طويل الأمد
لكن المعضلة لا تتوقف عند الحدود الروسية ، فالاتحاد الأوروبي نفسه قد يجد بعد سنوات أنه ساهم في بناء قوة عسكرية ضخمة على أطرافه الشرقية دون أن يمتلك السيطرة الكاملة على اتجاهاتها السياسية أو الأمنية ، وحين تصبح أوكرانيا مركزا صناعيا وعسكريا متقدما فإن القارة الأوروبية ستدخل مرحلة جديدة من القلق الاستراتيجي حيث يتداخل الأمن الجماعي مع حسابات الهيمنة الأمريكية ، في العمق لا يبدو الوعد الأمريكي مجرد مبادرة دفاعية بل رسالة سياسية مبطنة تقول إن واشنطن لا تستعد لإنهاء الصراع بل لإدارته بأشكال أخرى ، إنها رسالة تفيد بأن مرحلة ما بعد الحرب لن تكون مرحلة سلام بقدر ما ستكون مرحلة اصطفافات جديدة ، وأن الحدود الفاصلة بين الشرق والغرب ستزداد صلابة وتسليحا ، فالتاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تكتفي بإخماد الحرائق ، لإنها كثيرا ما تعيد تشكيل الخرائط التي أحرقتها ، ومن هذا المنظور لن تكون " الباتريوت الأوكراني " مجرد مشروع صناعي بل إعلانا عن ولادة ميزان قوى جديد ، تستخدم فيه أوكرانيا بوصفها جدارا متقدما ورسالة تهديد مؤجلة مفادها " أن القادم قد لا يكون في صالح أحد ، وأن العالم يقف مرة أخرى أمام لحظة تتجاوز الحرب نفسها ، إلى إعادة تعريف معنى القوة وحدودها في القرن الحادي والعشرين " .