الإنتاج "اعتيادي" والمعاناة "استثنائية": لغز اختفاء الغاز في العراق
صادق الازرقي
فيما تصر البيانات الرسمية والتقارير الصادرة عن وزارة النفط العراقية على أن معدلات انتاج غاز الطبخ تمضي بسياقاتها الاعتيادية، تروي شوارع الأزقة العراقية حكاية مغايرة تماما؛ حكاية يكتب فصولها المواطن الذي بات يترقب بصمت مشوب بالقلق تلك الموسيقى المميزة المنبعثة من سيارات التوزيع، في ازمة تكررت لأكثر من مرة، ومن ضمنها ما حدث منذ أوائل آذار 2026.
وما إن تصل الموسيقى المتميزة الى اسماعه، حتى يتحول المشهد إلى سباق قسري، يركض فيه الصغير والكبير خلف عجلات لم تعد تصل إلى الأبواب كما كانت، بل غدت "عملة صعبة" تتسرب إلى دهاليز السوق السوداء تحت أنظار الرقابة الغائبة. إنها المفارقة العراقية المتجددة: كيف يختفي الوقود في بلد يطفو على بحر من الثروات، ولماذا تترك كفاف يوم الناس نهبا للمضاربين فيما تكتفي الحكومة بدور المتفرج؟
ما إن اشتعلت الحرب الأميركية الإيرانية (وحتى قبل ذلك بمجرد التهديدات) حتى عاش العراق أزمة خانقة في غاز "الطبخ"، لاسيما في العاصمة بغداد، فسيارات توزيع "أسطوانات" الغاز ما عادت تصل إلى المنازل، وإذا وصلت فبأسعار مضاعفة، ومحطات التوزيع تشهد زخما كبيرا...فهل أن أزمة الغاز في العراق حقيقية أم يرتبط نشوؤها بالأخبار المتعلقة بالحرب، وهل أن الإنتاج المحلي لا يكفي لسد حاجة السكان؟ مع العلم أن السلطات المعنية لا تعترف بتواجد أي أزمة وتقول إن الإنتاج اعتيادي.
ان ما يحدث بشأن غاز الطبخ في شوارع بغداد ليس مجرد "أوهام" أو تأثرا بالأخبار فقط، بل هو انعكاس لواقع معقد يخلط بين الأرقام الرسمية وسلوك السوق في الأزمات.
فالوضع ينقسم عموما بين غاز الطبخ وغاز المحطات الكهربائية.
فغاز المحطات تأثر مباشرة بالتوترات مع إيران، لأن العراق يستورد كميات ضخمة من الغاز الطبيعي لتشغيل محطات الكهرباء، وان أي تعثر في الإمدادات الإيرانية (بسبب الحرب أو الديون أو الصيانة) يعني انقطاع الكهرباء، وليس بالضرورة نقص غاز الطبخ.
اما فيما يتعلق بغاز الطبخ (الأسطوانات)، فالعراق لديه اكتفاء ذاتي تقريبا في إنتاج الغاز السائل المخصص للطبخ، والإنتاج المحلي يتجاوز 3 ملايين طن سنويا؛ لذا، من الناحية الفنية والإنتاجية، لا تتواجد أزمة موارد.
وبرغم أن الإنتاج كاف، إلا أن الأزمة تنشأ من تداعيات الحرب، وجشع بعض الحلقات في سلسلة التوزيع ما يؤدي الى الهلع الاستهلاكي، فبمجرد سماع أخبار التوترات العسكرية، يندفع الناس لتخزين أكثر من أسطوانة خوفا من المجهول، مما يرفع الطلب فجأة لمستويات تفوق قدرة مركبات التوزيع اليومية؛ وبعض أصحاب سيارات التوزيع والمنافذ الأهلية يستغلون هذا الزخم لرفع الأسعار، مستغلين قلق الناس لتحقيق أرباح مضاعفة.
كما ان الزخم الكبير في محطات التوزيع يخلق اختناقا إداريا في خطط التوزيع، مما يوحي بأن الغاز "مقطوع" فيما هو في الحقيقة يعاني من الزحام أو محتكر.
السلطات المعنية قالت ان "الإنتاج اعتيادي"، ولربما كانت محقة في ذلك، لكنها غالبا ما تفشل في السيطرة على أمن التوزيع ومنع المضاربات؛ هي ترى الأرقام في المصانع، والسكان يرون الطوابير في الشارع.
ويمكن تلخيص المشهد كالآتي: الإنتاج المحلي متوفر وجيد جدا بزيادة الطاقات الإنتاجية في الحقول العراقية مؤخرا، اما التوافر في السوق فشحيح وصعب والتخزين المنزلي يجري زيادته بسبب أخبار الحرب؛ والأسعار مرتفعة (غير رسمية) لجشع بعض الموزعين وغياب الرقابة الصارمة في لحظات التأزم.
وبحسب خبراء الاقتصاد، ان الأزمة في غاز الطبخ غالبا ما تكون "أزمة طلب" وليست "أزمة عرض"، وان استقرار الأوضاع السياسية أو زيادة الرقابة على الموزعين الجوالين كفيلة بإنهاء الطوابير في أيام قليلة، لأن الغاز متواجد في المخازن.
وللمقارنة، عندما تشتعل الأزمات، سواء كانت حقيقية في الإنتاج أو ناتجة عن هلع الشراء والخزن كما يحدث في بغداد حاليا، تلجأ الدول المتقدمة في إدارة الأزمات إلى حلول تجمع بين التكنولوجيا، الرقابة، وطمأنة الجمهور.
في الأنموذجين الألماني والإسكندنافي يتواجد ما يسمى نظام "الاحتياطي الاستراتيجي الدوار"، ففي دولة مثل ألمانيا، لا ينتظرون وقوع الحرب ليبدأوا بالتحرك؛ لديهم قانون يفرض تواجد احتياطي غاز يكفي البلاد لـ 90 يوما في الأقل، فبمجرد شعور الناس بالقلق، تضخ الحكومة كميات إضافية من الاحتياطي في السوق لـ "إغراقه"، مما يجعل العرض أكبر من الطلب، فتنخفض الأسعار تلقائيا ويختفي الهلع.
في بعض الدول التي تعتمد على أسطوانات الغاز مثل الأردن، جرى إدخال تطبيقات ذكية لمراقبة سيارات التوزيع، اذ تجري مراقبة مسار سيارات التوزيع لضمان وصولها لجميع الأحياء وعدم تفريغ الحمولة لتجار السوق السوداء في منطقة واحدة، ويمكن للمواطن طلب الأسطوانة عبر تطبيق يحدد السعر الرسمي، وأي تلاعب يؤدي لسحب رخصة الموزع فورا.
و في خضم أزمة نقص الوقود في بريطانيا عام 2021، لم تكتف الحكومة بالقول "الإنتاج اعتيادي" (كما تفعل السلطات العراقية الآن)، بل قامت بتوفير خريطة رقمية على مدار الساعة تحدد فيها المحطات التي يتوفر فيها الوقود والمحطات الفارغة، لتقليل الزخم العبثي والطوابير الطويلة؛ وعندما فشل التوزيع المدني، جرى تكليف الجيش ونشر ملاكات إدارية عسكرية بقيادة صهاريج التوزيع لضمان الانسيابية وكسر احتكار الموزعين الخواص.
فما الذي يفتقر اليه الواقع في العراق؟
الإجراء المثالي الضروري في أزمة بغداد حاليا هو التوزيع الموجه بإرسال الغاز للمناطق الأكثر احتياجا بناء على البيانات ومعظمها مناطق شعبية، وليس التوزيع العشوائي بان تقوم سيارات التوزيع بالذهاب لمن يدفع "إكرامية" أكثر.
ويجب ايقاع غرامات فورية وسحب رخص المستغلين وعدم ترك الناس في مواجهة مباشرة مع جشع الوكلاء وأصحاب سيارات التوزيع.
ان الدول الناجحة تدرك أن "طمأنة المواطن" أهم من "توفر المادة"؛ فالشخص القلق سيشتري خمس أسطوانات ويخزنها، في حين ان الشخص الواثق بالنظام يشتري واحدة فقط عند الحاجة.