افتح يا سمسم ...من مغارة علي بابا إلى خزينة الدولة
د. نايف كوردستاني
أكادُ أجزمُ أنَّ كثيرًا من لصوص العراق الجدد قد سمعوا، أو قرأوا حكاية (علي بابا) الشعبية عندما سرق النقود من المغارة، وعاد إلى البيت محملًا تلك أكياس النقود على حماره الهزيل، وزوجته مندهشة من تلك الأموال التي رأيتها، فسألت زوجها:"هذه نقود كثيرة جدًّا، فأين سنحتفظ بها؟"، فأجابها(علي بابا):"سأحفرُ حفرةً عميقةً، وأخبئها فيها"! كان (علي بابا) شخصية فقيرة معدمة جدًّا كما هو مشاع بالموروث القصصي في (ألف ليلة وليلة)، ثُمَّ أصبح رجلًا غنيًا بعد سرقته للأموال من المغارة بمفتاح سري: "افتح يا سمسم".
في الحكاية القديمة كان اللصوص أربعين، أمَّا حكاية لصوص العراق الحديثة، فلا أحد يعرف العدد الحقيقي للصوص؛ لأنَّ الأرقام كبيرة جدًّا، ولأنَّ الفساد قد تحوّل إلى منظومة، وليس متعلقًا بشخصية واحدة بل شبكات مرتبطة ببعض، وهنا ملة الفاسدين واحدة، ومصالحهم واحدة، ويعملون معًا من أجل فسادهم، وإثرائهم على حسب المواطن، والدولة، والمصلحة العامة.
ولهذا السبب تبدو معركة مكافحة الفساد عملية معقدة، وشاقة إذا غضت الحكومات الطرف عنهم، وسكت عنهم الشعب.
في الماضي كان الأربعون لصًا يدخلون المغارة حاملين أكياس الذهب على أكتافهم. أمَّا اليوم، فلا أحد يحمل شيئًا على كتفه؛ فالأوراق تفعل ما كانت تفعله الأكياس، والتوقيع الواحد قد يكون أثقل من أربعين كيسًا من دنانير الذهب. ولذلك يبدو أنَّ (علي بابا) لو شاهد بعض ملفات لصوص العراق من سرقتهم للمال العام لقال لأصحابه: "يا قوم لقد كُنَّا مجرد هُوّاة".
ومن المثير للسخرية أنَّ اللصوص في الحكايات القديمة كانوا يُخفون وجوههم خشية كشف حقيقتهم، ويفضح أمرهم أمام الناس، أمَّا اللصوص الجدد، فهم لا يخشون من كشف اللثام عن وجههم بل يتفاخرون بذلك أمام عوائلهم في جلساتهم الخاصة، ولا يخشون من غلق باب المغارة عليهم، بل من عدسات الكاميرات، ومن الوثائق الثبوتية، والاعترافات القطعية، والأدلة الدامغة التي تظهر فجأة ضدهم، وتدينهم.
في ليلةٍ أسطورية من ليالي (ألف ليلة وليلة) يُقال: إنَّ (علي بابا) عاد إلى (بغداد) بعد غيابٍ امتد قرونًا طويلة حمل عصاه القديمة، وتلفّت حوله يمينًا، وشمالًا باحثًا عن المغارة التي أخفت كنوز الأربعين لصًا. كان يظن أنَّ الطريق سيقوده إلى جبلٍ معزول، وبابٍ صخري لا يفتح إلا بكلمة السر المشهورة:"افتح يا سمسم"، لكنّه فوجئ بأنَّ المغارة لم تعد موجودة في الجبال. لقد أصبحت وطنًا كاملًا يتم سرقة أمواله أمام الحكومات من دون رادع لهم!
وقف (علي بابا) مذهولًا، وهو يرى أنهار النفط، وحقول القمح، وأراضٍ شاسعة صالحة للزراعة، ومياه الأنهار، والموانئ، والثروات الطبيعية، والطاقات البشرية مهدورة، والمدن التي كانت تستحق أن تكون مناراتٍ للحضارات القديمة، لكنها بدت، وكأنّها خرجت من حربٍ عبثية لم تنته بعد. سأل نفسه: أين ذهبت تلك الكنوز؟ ومن سرق هذا البلد الذي كان يستطيع أن يكون من أغنى بلدان العالم؟
فاقترب شيخٌ كبيرٌ طاعنٌ في السن، وقال له مبتسمًا بمرارة: "يا (علي بابا) ... لقد تأخرت كثيرًا. فأنَّ الأربعين لصًا الذين كنت تعرفهم قد تقاعدوا منذ زمن طويل، وخرجوا عن الخدمة، أمَّا اليوم، فقد صار لصوص العراق أكثر من قبل، ومن الصعوبة أن تحصيهم عددًا لارتباطهم بجهات سياسية محميّة من قبلهم، ولم تعد السرقة عيبًا في مجتمعنا، وفي زماننا بل أصبح عرفًا سائدًا، وتفاخرًا لمن يسرق أكثر من بلده في ظل ارتفاع نسبة الفقر في البلاد، وانعدام الخدمات، والبنى التحتية..."، اندهش (علي بابا) من كلام الشيخ معتقدًا أنَّ الشيخ ربما قد وصل إلى درجة من الخرف، أو الجنون، أو الهلوسة!
فأخبر (علي بابا) الشيخَ بأنَّ في زماننا كان اللصوص يختبئون في الليل، ويهابون ضوء النهار، ويخشون أن تفضحهم العيون، وكانوا يعلمون جيدًا بأنَّ السرقة جريمة، ولذلك عاشوا مطاردين في حياتهم، والقلق يراودهم دائمًا، والخوف معشعش في كيانهم!
عندما أجرى (علي بابا) جولته التفقدية في العراق اعتقد أنَّ اللصوص شرذمة قليلة مثل زمانهم، لكن اعتقاده لم يكن دقيقًا إذ إنَّ اللصوص قد صاروا ألوفًا، وجماعات، وأحزابًا مختلفة، يسرقون باسم الدين، والمظلومية، والأحقية.
أمَّا قصص، وروايات، ومغامرات اللصوص العراقيين الكبار، فهي كثيرة جدًّا من الصعوبة حصرها بسبب نفوذهم السياسي حتى أصبح الوصول إلى المال العام عندهم أسهل من الوصول إلى مغارة (علي بابا) نفسها، وهنا الشعب يتحمّل جزءًا من تلك جرائم السرقات عندما يصوتون لهم في الانتخابات النيابية التشريعية، ومجالس المحافظات للكتل التي انتفخت من سرقة المال العام.
لقد تغيّرت أدوات السرقة، ففي الزمن الماضي كانت القوافل تُنهب عبر الطرقات من قبل اللصوص، وقطاعي الطرق، والصعاليك. أما اليوم، فقد تُنهب الفرص الكبيرة، والمشاريع العملاقة، والأحلام الجميلة، وأعمار الناس، ويسرقون الزمن أيضًا. كم مشروعًا أُعلن عنه، ثُمّ اختفى؟ وكم مدرسة بقيت مجرد مخططات، وتصاميم على الورق؟ وكم مستشفى تأخّر حتّى صار المرض أسرع من الإسمنت، والطابوق؟ وكم طريقًا يبدأ بحفل وضع الحجر الأساس، ثُمَّ ينتهي بلا حجر، ولا طريق من دون متابعة، أو محاسبة؟
إنَّ أخطر أنواع السرقات ليست سرقة المال، فحسب بل سرقة المستقبل، فالمال يمكن أن يعود يومًا ما، أمَّا السنوات التي تضيع من عمر الأوطان، فلا تعود أبدًا.
عندما دخل (علي بابا) مدينة بغداد وجد الناس يتحدثون همسًا عن مليارات الدولارات قد اختفت كلمح البصر من خزينة الدولة، وعن ملفات فساد لا تنتهي، وعن لجان تحقّق في لجان، وعن تقارير تُكتب ثُمَّ تُنسى، أو تغلق مقابل مبالغ مالية طائلة!
ابتسم (علي بابا) بحزن عميق قائلًا: "في زماننا كانت المغارة تُغلق بعد كل عملية سرقة، أمَّا هنا، فيبدو أنَّ أبواب المغارة لا تُغلق أبدًا، مفتوحة على مصراعيها"، وكانت كلمة السر هي: (افتح يا سمسم).
أمَّا اليوم، فلكل مغارة كلمة سر مختلفة، قد تكون نفوذًا، أو محسوبية، أو استغلالًا وظيفيًا للسلطة، أو غيابًا للمحاسبة، أو شبكةً من المصالح التي تجعل الوصول إلى المال العام أسهل من الوصول إلى العدالة.
ومن المؤسف جدًّا أنَّ المنفعة الخاصة أصبحت أهمّ من المنفعة العامّة، فأنَّ الدولة تتحوّل إلى مغارةٍ كبيرة يتنافس الجميع على اقتسام كنوزها بينما يقف المواطن خارج الباب ينتظر نصيبه من فتات تلك المغارة من تعيينات، وخدمات، ومشاريع خدمية للبلاد. المواطن يعلم حجم الثروات، والموازنات الانفجارية منذ تغيير النظام في العراق بعد عام (2003)، لكنه لا يرى شيئًا منها، ويعلم أنَّ وطنه غني بالأموال، والثروات الطبيعية، لكنه يرى واقعًا مزريًا، ولعلَّ أكثر ما أدهش (علي بابا) أنَّ بعض الناس لم يعودوا يغضبون من حالات الفساد المنتشرة، واللصوص الموجودين يتجولون في عموم البلاد من دون محاسبتهم!
لقد اعتادوا على سماع أخبار الفساد حتى أصبحت جزءًا من نشرات الأخبار اليومية، كأنَّها حالة من حالات الطقس اليومية في البلاد. يقال إنَّ هناك ملفًا جديدًا على الطاولة، فيجيب المواطن: "لا جديد... مجرد مغارة أخرى"، ويقال إنَّ هناك لجنة جديدة شُكّلت، فيرد المواطن: "لعلها تبحث عن مفتاح مغارةٍ ضاعت بين المغارات". إن أخطر ما يفعله الفساد في المجتمع ليس سرقة الأموال فقط، بل إنَّه يزعزع ثقة المواطن بالدولة عن إمكانية الإصلاح، ومحاسبة المسؤولين الفاسدين الذين سرقوا المغارة، وأصبحت الدولة مفلسة.
فحين يقتنع الناس بأنَّ السرقة قدر، وأنَّ محاسبة الفاسدين مسألة مستحيلة، فيصبح الفساد ثقافةً مجتمعية قبل أن يكون جريمة، وهنا بداية الهزيمة الحقيقية، وهذه الإشاعات مخططة لها من أجل إحباط المواطنين بعدم التحدّث عن الفساد!
لكن التاريخ له موقف مختلف عن رأي هؤلاء الفاسدين، والمصفقين لهم، فلا مغارة بقيت مفتوحة إلى الأبد، ولا لصوص ظلوا خالدين إلى الأبد، فأنَّ مصيرهم المحاكم، والمحاسبة، والسجون، ولن يفلتوا من العقاب.
كل الإمبراطوريات التي قامت على الفساد سقطت، وكل الثروات التي بُنيت من المال الحرام، والكسب غير المشروع على حساب الشعوب تحولت يومًا إلى صفحات سيئة في كتب التاريخ، ربما قد يتأخّر محاسبة الفاسدين، لكن ستتحقق العدالة في يوم ما؛ لأن القضية لم تعد أربعين لصًا يختبئون خلف صخرة، بل معركة مجتمعٍ يريد أن يحمي المال العام، ويقيم مؤسسات قوية، ويجعل القانون فوق الجميع، ومحاسبة المتورطين بسرقة المال العام.
إنَّ الأوطان لا يمكن أن تنهض بالخطب وحدها، ولا بالشعارات الرنّانة، ولا بتبادل الاتهامات بين الجهات، والأطراف السياسية، بل بالنزاهة، والشفافية، وسيادة القانون، وإدارة الموارد بما يحقق مصلحة الناس.
وعندما تتحول الوظيفة العامة إلى مسؤولية لا إلى غنيمة، وعندما يكون المنصب خدمة لا امتيازًا، وعندما يشعر كل مسؤول أنَّ المال العام أمانة لا ميراث عندها فقط تُغلق أبواب المغارة.
فالمغارة اليوم أصبحت بحجم وطن، وكنوزها لم تعد أكياسًا من الذهب، والفضة، بل مليارات الدولارات وعائدات النفط، والمشاريع الوهمية، والعقود التي لا ترى النور. أمَّا اللصوص، فلم يعودوا أربعين لصًا كما في القصص القديمة، بل صاروا جيوشًا من المنتفعين الذين يتقنون كلمة السر الجديدة: (افتح يا سمسم) لكل خزينة عامة، ثم يغلقون الأبواب في وجه الشعب.
اللصوص في حقبة (علي بابا) كانوا يخاطرون بحياتهم لسرقة القوافل، أمَّا لصوص العصر، فيسرقون تحت حماية المناصب، والنفوذ الحكومي، ومجلس النواب، لصوص المغارة كانوا يخفون الذهب، أما لصوص اليوم، فيخفون الأموال، والذهب، والمجوهرات تحت الأرض في بيوتاتهم، وقصورهم، ومزارعهم أيضًا، وحسابات مصرفية بأسماء أبنائهم، والمقربين منهم، وشراء العقارات، وغسيل الأموال عبر الشركات الوهمية.
هل قرّر (علي بابا) أخيرًا أن يغلق مغارته، ويغادر التاريخ. ليس لأنهَّ تاب عن السرقة، ولا لأنَّ الأربعين لصًا أعلنوا اعتزال المهنة، بل لأنَّه اكتشف أنَّ العالم قد تطوّر كثيرًا، وأنَّ أساليبه القديمة أصبحت بدائية جدًّا إلى حد يثير الشفقة. كان الرجل يختبئ في مغارة، ويخفي الذهب في جرار، ويخشى أن يسمع أحد عبارة: (افتح يا سمسم) يا لسذاجته! لو عاش بيننا اليوم لعلم أنَّ المغارات لم تعد موجودة في الجبال كما في العصور السالفة، بل في العقود، والمناقصات، واللجان، والامتيازات، وأنَّ كلمات السر لم تعد تُقال بصوت مرتفع، بل تُوقّع على أوراق مختومة.
ويُقال – على سبيل السخرية – إنَّ (علي بابا) وقف قبل أيام قلائل يتابع النشرة الإخبارية في العراق، والأخبار التي تصدّرت عن عملية (صولة الفجر)، ثم تنهّد قائلًا: "لقد ظلمنا المؤرخون حين سمّونا لصوصًا. كنا نسرق، ونحن نخاف، أمَّا اليوم، فهناك من يسرق من دون خوف، وهو يبتسم أمام الكاميرات"!
اللصوص الأربعون كانوا يسرقون ليلًا؛ لأنَّهم يدركون أنَّ السرقة تخجل من ضوء الشمس. أمَّا اليوم، فبعض اللصوص يفضلون العمل في وضح النهار تحت أضواء المؤتمرات الصحفية، وبين التصفيق، وربما يخرجون بعد ذلك ليتحدثوا عن النزاهة، والإصلاح، ومحاربة الفساد، وكأنَّ الذئب قد قرّر افتتاح جمعية خيرية لرعاية الأغنام، وتحسين جودة الأعلاف الحيوانية!
لو عاد اللصوص الأربعون إلى الحياة مرة أخرى لأصابهم الإحباط المهني سيكتشفون أنَّ السرقة أصبحت علمًا يُدار بالملفات، وفنًا يُمارس بالأختام، والتواقيع، وأنَّ ما كانوا يجمعونه في سنوات طويلة من ثرواتهم يمكن أن يجمعه لصوص العراق بتوقيع واحد، أو عقد واحد، أو مشروع حكومي لا يرى النور إلا على الورق.
وفي كل مرة يثار فيها الحديث عن الإصلاح، ومحاربة الفساد يخرج إلينا جيش من الخطباء يعلنون حربًا شرسة على الفساد، فتصفق الجماهير، وتُرفع الشعارات، وتُعقد المؤتمرات، وتُلتقط الصور، ثم ينتهي الأمر بإعلان لجنة جديدة للتحقيق في نتائج اللجنة السابقة!
ولو رأى (علي بابا) اللصوص الأربعين من جديد لربما أغلق مغارته نهائيًا، وقال للأربعين لصًا: "لقد انتهى عصرنا. نحن مجرد هُوّاة أمام هذا الاحتراف، وأمام هؤلاء حيتان الفساد".
لكن، ورغم كل هذا المشهد المأساوي الأسود يبقى الفرق كبيرًا بين القصص الشعبية، والواقع. ففي القصص القديمة كان اللصوص يظنون أن الكنز سيبقى لهم إلى الأبد، لكن النهاية جاءت بما لم يتوقعوا. وكذلك في الواقع، فإن المال العام ليس ملكًا لأحد، ولا لأية جهة سياسية، والمنصب لا يدوم لأحد، والسلطة زائلة، فالدولة التي تريد الانتصار على الفساد لا تكتفي بالضجيج الإعلامي، بل تحتاج إلى قضاء قوي مستقل، وأدلة دامغة، وإجراءات قانونية مشدّدة، وعادلة تطبق على الجميع من دون استثناء لكي يكونوا عبرة للآخرين.
ويبقى السؤال المطروح الذي لا يزال معلقًا فوق باب كل مغارة: من يملك الشجاعة ليقول كلمة السر الجديدة؟
ليست (افتح يا سمسم) بل (افتحوا ملفات الفساد)، وعندما تُفتح الملفات بالقانون، وتُفحص بالأدلة القطعية، ويُحاسب من تثبت عليه ملفات الفساد، عندها فقط سيدرك (علي بابا) أن زمن المغارات قد انتهى، وأن الأوطان لا تُدار بالأسرار، بل بالشفافية، ولا تُحمى بالأساطير، بل بسيادة القانون.
وفي نهاية رحلة (علي بابا) وقف على تلٍ مطلّ على مدينة بغداد، ثم ألقى نظرةً وداعية أخيرة، قائلًا:
"لقد كنتُ أظنُّ أنَّ أعظم كنزٍ هو الذهب الذي خبأه اللصوص الأربعون في مغارتهم، لكنني اكتشفت أنَّ أعظم كنز هو الوطن نفسه، فإذا ضاع الوطن، فلن تنفع الكنوز الدنيا كلها"، ثم رحل حزينًا من العراق
أمَّا المغارة، فما زالت هناك، فلا يزال المواطن ينتظر بطلًا من أبطاله يعيد للوطن كنوزه التي سرقت، ونهبت من المغارة أمام أعينهم.