11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

(مقال).. عاشوراء والعدالة المؤجلة للكورد الفيليين

(مقال).. عاشوراء والعدالة المؤجلة للكورد الفيليين جانب من احياء مراسم عاشوراء في أربيل: 24-06-2026
2026-06-24T21:37:56+00:00

ماجد سوره ميري

 تحلّ هذه الأيام ذكرى عاشوراء، المناسبة التي تستحضر في الوجدان الإسلامي معاني التضحية من أجل الحق، ورفض الظلم، والدفاع عن كرامة الإنسان مهما كانت التضحيات. وقد بقيت نهضة الإمام الحسين عليه السلام، عبر القرون، رمزا أخلاقيا وإنسانيا لكل الساعين إلى العدالة في مواجهة الاستبداد والإقصاء. 

ومن هذا المنطلق، تكتسب ذكرى عاشوراء أهمية تتجاوز حدود استذكار حدث تاريخي، لتصبح فرصة للتأمل في واقع المجتمعات المعاصرة ومدى التزامها بقيم الإنصاف والمساواة وصون الحقوق. وفي العراق، تبرز قضية الكورد الفيليين بوصفها واحدة من القضايا الوطنية التي ما زالت آثار الظلم الذي تعرض له أصحابها حاضرة رغم مرور عقود على وقوعه. 

لقد تعرض الكورد الفيليون خلال حقبة النظام السابق إلى سياسات ممنهجة استهدفت وجودهم الاجتماعي والاقتصادي والإنساني. وشملت تلك السياسات إسقاط الجنسية عن عشرات الآلاف منهم، وتهجيرهم قسرا خارج البلاد، ومصادرة ممتلكاتهم، فضلا عن اختفاء أعداد كبيرة من شبابهم في المعتقلات والسجون. 

وقد اعتُبرت الجرائم المرتكبة بحقهم لاحقا من قبل القضاء العراقي جرائم إبادة جماعية، في اعتراف قانوني مهم بحجم المأساة التي تعرض لها هذا المكون الأصيل من الشعب العراقي. ورغم التغيير السياسي الذي شهده العراق بعد عام 2003، وما تحقق من خطوات مهمة تمثلت في إعادة الجنسية لآلاف المهجرين والاعتراف الرسمي بجزء من حقوقهم، فإن العديد من الملفات الجوهرية ما تزال تنتظر حلولا عادلة وحاسمة. فاسترداد الممتلكات المصادرة ما زال يواجه إجراءات معقدة وطويلة، كما أن ملف المفقودين لم يُغلق بصورة نهائية، فضلا عن استمرار شعور شريحة واسعة من الفيليين بأن حضورهم في مؤسسات الدولة لا يعكس حجم تضحياتهم ودورهم التاريخي في بناء العراق. 

ولا تقتصر هذه القضية على بعدها الخاص بالكورد الفيليين وحدهم، بل تمثل جزءا من ملف أوسع يتعلق بالعدالة الانتقالية وإنصاف ضحايا الاستبداد في العراق. فبناء دولة المواطنة لا يكتمل إلا بمعالجة آثار الانتهاكات السابقة ورد الحقوق إلى أصحابها، بعيدا عن الانتقائية أو التأخير أو الحسابات السياسية الضيقة. 

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء باستذكار المظالم التاريخية، بل الانتقال إلى إجراءات عملية وفاعلة، من بينها تسريع حسم ملفات الممتلكات المصادرة، وتطوير آليات تعويض المتضررين، واستكمال الجهود الرامية إلى الكشف عن مصير المفقودين، فضلا عن ضمان مشاركة عادلة للكفاءات الفيلية في مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار، بما ينسجم مع مبادئ الدستور العراقي وقيم المواطنة المتساوية.

 إن الرسالة الأعمق التي يمكن استلهامها من عاشوراء ليست مجرد الحزن على مآسي الماضي، بل العمل على منع تكرار الظلم في الحاضر. والوفاء لقيم العدالة التي نادى بها الإمام الحسين عليه السلام يقتضي الوقوف إلى جانب كل صاحب حق، والسعي الجاد لإنصاف المظلومين، وترسيخ دولة القانون التي يشعر فيها جميع العراقيين بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، دون تمييز أو إقصاء. 

فحين تتحول العدالة من شعار إلى ممارسة، يصبح استذكار المآسي التاريخية دافعا لبناء مستقبل أكثر إنصافا، ويغدو العراق وطنا يتسع لجميع أبنائه، ويصون كرامتهم وحقوقهم على قدم المساواة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon