عمره أكثر من ألفي عام.. "بئر الجبار" في أعالي جبال مكحول يتحدى الزمن (صور)

عمره أكثر من ألفي عام.. "بئر الجبار" في أعالي جبال مكحول يتحدى الزمن (صور)
2026-06-06T12:32:42+00:00

شفق نيوز- صلاح الدين

في أعالي قمم جبال مكحول الوعرة، حيث تمتزج الأساطير بالتاريخ وتختبئ آثار الحضارات القديمة بين الصخور الشاهقة، يقف بئر الجبار الأثري شاهداً على حقبة غامضة من تاريخ المنطقة، متحدياً عوامل الزمن منذ أكثر من ألفي عام داخل أسوار قلعة الجبار التاريخية، التي تعد من أبرز المواقع الأثرية في محافظة صلاح الدين.

وأعاد المغامر العراقي علي الحمد، هذا الموقع إلى دائرة الضوء بعد رحلة استكشافية شاقة وثّق خلالها البئر والقلعة باستخدام الطائرات المسيّرة والكاميرات الحديثة، في محاولة للكشف عن أحد المعالم التي ظلت بعيدة عن الأنظار لسنوات طويلة.

وقال الحمد، في حديث مصور تابعته وكالة شفق نيوز، إن "بئر الجبار كان هدفاً لمغامرة ميدانية استمرت ساعات طويلة عبر مسالك جبلية صعبة"، مبيناً أن "الفريق تمكن من الوصول إلى الموقع وتوثيقه بشكل كامل ونقل صورة حقيقية عن هذا المعلم التاريخي المهم".

وأضاف أن "الفريق استخدم طائرة مسيّرة وعدة كاميرات احترافية لتصوير أدق تفاصيل البئر وقياس أبعاده وتسجيل الملاحظات الميدانية الخاصة به"، مؤكداً أن "الهدف من هذه الجهود هو التعريف بالمواقع الأثرية المنسية وإبراز قيمتها التاريخية والحضارية".

وأوضح أن "الرحلة كانت مرهقة بسبب وعورة التضاريس وارتفاع المنطقة، إلا أنها تستحق كل الجهد المبذول، لافتاً إلى أن مثل هذه المواقع لا ينبغي أن تبقى مجهولة، بل تستحق أن تحظى باهتمام الباحثين والمؤسسات المعنية بالآثار والتراث".

ويثير بئر الجبار العديد من التساؤلات لدى الباحثين والمهتمين بالتاريخ، ولا سيما أنه يقع في موقع استراتيجي داخل قلعة شُيّدت فوق قمة جبلية يصعب الوصول إليها، ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن البئر كان يمثل مصدر المياه الرئيس لسكان القلعة وحاميتها العسكرية في الأزمنة القديمة.

وفي هذا السياق، قال المتخصص في الشأن التاريخي حسان الجبوري، لوكالة شفق نيوز، إن "قلعة الجبار تعد من المواقع الأثرية المهمة في جبال مكحول، وقد اكتسبت أهميتها من موقعها الدفاعي المطل على مساحات واسعة من المنطقة". 

وأضاف الجبوري أن "وجود بئر بهذا الحجم في قمة جبلية مرتفعة يعكس مستوى متقدماً من المعرفة الهندسية لدى الشعوب التي استوطنت المنطقة، إذ إن حفر بئر عميق داخل الصخور الصلبة كان يتطلب جهداً كبيراً وتقنيات متطورة قياساً بظروف تلك الأزمنة".

وأشار إلى أن "الروايات المتداولة بين السكان المحليين تربط البئر بفترات تاريخية قديمة تعود إلى أكثر من ألفي عام، إلا أن تحديد عمره الحقيقي يحتاج إلى دراسات أثرية ميدانية متخصصة وعمليات تنقيب علمية بإشراف الجهات المختصة". 

وأكد أن "جبال مكحول تضم عدداً كبيراً من المواقع الأثرية التي لم تحظ بالدراسة الكافية حتى الآن، ما يجعلها منطقة واعدة للاكتشافات التاريخية التي قد تسهم في فهم أعمق لتاريخ شمال العراق وحضاراته المتعاقبة". 

من جانبه، قال أحد أهالي منطقة مكحول، ويدعى عمر خليل، لوكالة شفق نيوز، إن "بئر الجبار يمثل جزءاً من ذاكرة أهالي المنطقة، إذ تناقلت الأجيال قصصاً وروايات عديدة عنه وعن القلعة المحيطة به". 

وأضاف أن "سكان القرى القريبة كانوا يسمعون منذ سنوات طويلة عن البئر وعمقه الكبير، لكن الوصول إليه لم يكن سهلاً بسبب طبيعة الجبال الوعرة وصعوبة المسالك المؤدية إلى الموقع".

وأوضح خليل أن "إعادة توثيق البئر ونشر صوره ومقاطع الفيديو الخاصة به أسهمت في تعريف الكثير من العراقيين بهذا المعلم التاريخي"، معرباً عن أمله في "أن تحظى المنطقة باهتمام الجهات المعنية للحفاظ على مواقعها الأثرية وتطويرها بما يتيح للزوار والباحثين الوصول إليها".

وتحمل جبال مكحول أهمية تاريخية وجغرافية كبيرة، إذ تضم عدداً من القلاع والمواقع الأثرية التي تعود إلى فترات زمنية مختلفة، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي المطل على مناطق واسعة من محافظتي صلاح الدين وكركوك.

ويرى مهتمون بالتراث أن توثيق بئر الجبار يمثل خطوة مهمة نحو إحياء الاهتمام بالمواقع الأثرية المهملة، خصوصاً في ظل تزايد استخدام التقنيات الحديثة مثل الطائرات المسيّرة والتصوير الرقمي في استكشاف الأماكن التاريخية النائية.

ومع استمرار الغموض الذي يحيط بتاريخ البئر وأسرار بنائه، يبقى هذا المعلم الأثري شاهداً على عبقرية الإنسان القديم وقدرته على التكيف مع الطبيعة القاسية، فيما يأمل الباحثون وأهالي المنطقة أن تشهد السنوات المقبلة دراسات وتنقيبات علمية تكشف المزيد من أسرار هذا الموقع الذي ظل لقرون طويلة مختبئاً بين صخور جبال مكحول، متحدياً الزمن ومحتفظاً بجزء مهم من ذاكرة العراق التاريخية.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon