العراق يزحف نحو الصحراء.. 78% من الأراضي مهددة بالتصحر
شفق نيوز- بغداد
يواجه العراق واحدة من أخطر أزماته البيئية خلال العقود الأخيرة، مع اتساع رقعة التصحر وتراجع المساحات الزراعية والغطاء النباتي بصورة مقلقة، وسط تحذيرات من أن أكثر من 75% من مساحة البلاد أصبحت متصحرة أو مهددة بالتصحر.
وفي ظل أزمة مائية متفاقمة وارتفاع معدلات الملوحة والجفاف، باتت تداعيات هذه الظاهرة تمتد إلى الأمن الغذائي والمائي والاجتماعي، ما يضع العراق أمام تحديات تتطلب تحركاً وطنياً عاجلاً للحد من خسائره البيئية والاقتصادية.
وفي هذا الصدد، يكشف مرصد "العراق الأخضر"، المتخصص بشؤون البيئة، أن التصحر بات يمثل أحد أكبر التحديات البيئية والاقتصادية التي تواجه العراق.
ويقول عضو المرصد عمر عبد اللطيف لوكالة شفق نيوز إن "التصحر ضرب العراق بقوة خلال السنوات العشرين الماضية، وإن أحدث البيانات الرسمية وتقارير الجهات البيئية حتى حزيران/ يونيو 2026 تظهر أن حجم الكارثة يتسع بصورة مقلقة".
ويضيف عبد اللطيف أن "نسبة الأراضي المتصحرة تقدر بنحو 55% من مساحة العراق، أي أن أكثر من نصف البلاد بدأ يتحول تدريجياً من أراضٍ منتجة وخضراء إلى مناطق صحراوية".
ويشير إلى أن "الأراضي المهددة بالتصحر تبلغ نحو 23.2% من مساحة العراق، ما يعني أن نحو 78% من مساحة البلاد أصبحت إما متصحرة فعلياً أو تواجه خطر التحول إلى أراضٍ متدهورة خلال السنوات المقبلة إذا لم تتخذ إجراءات عاجلة".
كما يؤكد عضو المرصد أن "العراق فقد خلال العقود الثلاثة الماضية ما بين 15 إلى 30% من أراضيه الزراعية بسبب عوامل متراكمة، في مقدمتها التصحر وتدهور التربة والرعي الجائر وانخفاض الموارد المائية".
ويلفت عبد اللطيف إلى أن "الأراضي المروية كانت من أكثر المناطق تضرراً، إذ وصلت نسبة التصحر فيها إلى نحو 71%، مقارنة بنسب أقل بكثير في دول مجاورة مثل تركيا وسوريا".
ويشير إلى أن تداعيات التصحر لم تعد مقتصرة على المناطق الصحراوية، بل وصلت إلى قلب المناطق الزراعية التاريخية، ولاسيما السهل الرسوبي الذي كان يمثل الخزان الزراعي للعراق بفضل خصوبة تربته واعتماده على نهري دجلة والفرات.
ويبيّن أن "61% من الأراضي الزراعية أصبحت مهددة بالتملح، فيما تفقد البلاد سنوياً نحو 100 ألف دونم نتيجة تدهور التربة وارتفاع معدلات الملوحة"، مبيناً أن "أراضي كانت معروفة بخصوبتها وإنتاجيتها العالية تحولت في مناطق واسعة إلى أراضٍ متملحة فقدت قدرتها على الإنتاج".
ويستطرد عضو المرصد أن "أسباب هذه الظاهرة ترتبط باستخدام أساليب الري السيحي التقليدية، وغياب شبكات البزل الفعالة، وارتفاع مناسيب المياه الجوفية المالحة، ما أدى إلى تراكم الأملاح داخل التربة وتقليل قدرتها على دعم المحاصيل الزراعية".
ويتابع أن "العراق يواجه مشكلة إضافية تتمثل بتصريف نحو 23 مليار متر مكعب من مياه البزل المالحة سنوياً إلى الأنهار، الأمر الذي يفاقم تلوث دجلة والفرات وشط العرب، ويرفع مستويات الملوحة ويؤثر على الزراعة والثروة السمكية".
نصف الغابات اختفت
تأثير التصحر امتد إلى المساحات الخضراء داخل المدن، كما يؤكده عبد اللطيف، الذي يشير إلى أن "نصف الغابات والأحزمة الخضراء التي كانت تشكل حماية طبيعية للمدن العراقية اختفت خلال العقود الماضية".
ويبيّن أن "بغداد مثال واضح على هذا التراجع، إذ فقد الحزام الأخضر الذي كان يمثل حاجزاً طبيعياً أمام الغبار والعواصف الترابية، بالتزامن مع ارتفاع كبير في عدد أيام العواصف الترابية التي وصلت إلى نحو 272 يوماً في السنة، مقارنة بنحو 24 يوماً فقط خلال سبعينيات القرن الماضي".
ويوضح عضو مرصد "العراق الأخضر" أن "التراجع الكبير في الغطاء النباتي جعل المدن أكثر عرضة لارتفاع درجات الحرارة وتدهور جودة الهواء، كما زاد من تأثيرات التغير المناخي على السكان".
خسارة بيئية واجتماعية
"الأهوار والبساتين كانت من أكثر المناطق التي دفعت ثمن أزمة الجفاف والتصحر، إذ فقدت آلاف القرى مصادر رزقها المرتبطة بالزراعة وصيد الأسماك وتربية الجاموس"، وفق ما أكده عبد اللطيف.
ويضيف أن "انخفاض مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات وتراجع الإطلاقات المائية أدى إلى جفاف مساحات واسعة من الأهوار خلال السنوات الماضية، ما تسبب بنفوق أعداد كبيرة من المواشي وتراجع الثروة السمكية وهجرة العديد من العائلات الريفية نحو المدن".
ويشير عبد اللطيف إلى أن "التحسن المائي الذي شهدته بعض مناطق الأهوار خلال عام 2026 أعاد جزءاً من الحياة إلى هذه المناطق، لكنه لا يمثل حلاً دائماً ما لم يتم ضمان حصص مائية مستقرة وإدارة مستدامة للموارد".
أزمة مركبة
وتأتي تصريحات مرصد "العراق الأخضر" في وقت يواجه فيه العراق أزمة مائية متفاقمة نتيجة انخفاض الإيرادات القادمة عبر نهري دجلة والفرات، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الأمطار، ما انعكس على القطاع الزراعي الذي يشهد تقلصاً مستمراً في المساحات المزروعة.
كما تسببت الأزمة المائية بتراجع الإنتاج الزراعي في عدد من المحافظات، واضطرار آلاف المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو ترك أراضيهم، في ظل ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة والبذور وضعف القدرة على منافسة المنتجات المستوردة.
ويرى مرصد "العراق الأخضر" أن مواجهة التصحر تحتاج إلى خطة وطنية طويلة الأمد تجمع بين إدارة المياه الحديثة، وتأهيل الأراضي المتدهورة، وتوسيع مشاريع التشجير، وإنشاء الأحزمة الخضراء، وتطوير أنظمة الري والبزل.
كما يشدد مختصون على ضرورة دعم المزارعين، وحماية الأراضي الزراعية من التجريف، وتحسين معالجة مياه الصرف الصحي، وتعزيز التعاون الإقليمي لضمان الحقوق المائية للعراق.
ويختم عبد اللطيف حديثه بالقول إن "التصحر لم يعد ملفاً بيئياً فقط، بل أصبح قضية ترتبط بالأمن الغذائي والمائي والاجتماعي"، محذراً من أن استمرار فقدان الأراضي المنتجة سيجعل العراق أمام تحديات أكبر خلال السنوات المقبلة ما لم تتحول مواجهة التصحر إلى أولوية وطنية شاملة.