الدجيل تستذكر جراحها.. يومٌ غيّرته محاولة اغتيال صدام حسين

الدجيل تستذكر جراحها.. يومٌ غيّرته محاولة اغتيال صدام حسين
2026-09-25T14:39:07+00:00

شفق نيوز- صلاح الدين      

في زاوية من الاحتفال الذي أقيم في قضاء الدجيل بمحافظة صلاح الدين لإحياء ذكرى ضحايا أحداث عام 1982، يقف عباس الدجيلي، البالغ من العمر 89 عاماً، مستعيداً تفاصيل مرحلة ما زالت حاضرة في ذاكرته وذاكرة أبناء مدينته، يوم تحولت الدجيل إلى منطقة عسكرية عقب محاولة اغتيال الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

وبملامح رجل حملت السنوات على وجهه الكثير من الذكريات، يتابع الدجيلي مراسم إحياء الذكرى، فيما تعيد المناسبة إلى ذاكرته مشاهد الاعتقالات الجماعية التي طالت أبناء القضاء، ولم تستثنِ الرجال والنساء والأطفال، في واحدة من أكثر المراحل قسوة التي عاشتها المدينة.

ويقول عباس الدجيلي لوكالة شفق نيوز، إن "الدجيل عاشت أياماً صعبة بعد محاولة الاغتيال، فقد تحولت المدينة إلى ثكنة عسكرية، وانتشرت القوات الأمنية في مناطق مختلفة، وبدأت حملات اعتقال واسعة طالت أبناء القضاء".

ويضيف أن "الاعتقالات شملت الرجال والنساء والأطفال، ولم تكن العائلات تعرف في كثير من الأحيان مصير أبنائها، إذ غاب أشخاص لفترات طويلة، وبقيت عائلات تنتظر أخبار ذويها، وسط حالة من الخوف والقلق عاشتها المدينة بأكملها".

ولا يستحضر الدجيلي الاعتقالات وحدها، بل يتذكر أيضاً ما رافقها من مداهمات وتحقيقات وتعذيب ومحاكمات، فضلاً عن تهجير عائلات من الدجيل إلى مناطق بعيدة، مبيناً أن آثار تلك المرحلة لم تنتهِ بانتهاء الأحداث، وإنما بقيت حاضرة في ذاكرة العائلات التي فقدت أبناءها أو تعرض أفراد منها للاعتقال.

ويتابع أن مرور أكثر من أربعة عقود لم يكن كافياً لمحو تفاصيل تلك الأيام من ذاكرة أبناء الدجيل، لافتاً إلى أن كثيراً من الأهالي ما زالوا يحتفظون بقصص وشهادات عن أقارب وأصدقاء اعتقلوا أو فقدوا أو تعرضوا للتعذيب.

ويرى الدجيلي أن استذكار الضحايا لا يعني الوقوف عند الماضي فقط، بل يمثل فرصة لتوثيق ما جرى ونقل شهادات من عاشوا تلك الأحداث إلى الأجيال الجديدة، مؤكداً أن "الأسماء والقصص يجب أن تبقى محفوظة حتى يعرف الأبناء والأحفاد ما مر به أهالي الدجيل".

أرقام ثقيلة

وتشير بيانات مؤسسة الشهداء إلى حجم الخسائر البشرية التي خلفتها أحداث الدجيل، إذ صدرت أحكام بالإعدام بحق 148 شخصاً، فيما سبقت تلك الأحكام وفاة 45 شخصاً جراء التعذيب، بحسب الأرقام التي عرضتها المؤسسة خلال إحياء الذكرى.

كما تضمنت الأحداث نقل واحتجاز 399 عائلة في صحراء ليا بالسماوة، في إجراء ترك آثاراً اجتماعية وإنسانية عميقة على العائلات التي أبعدت عن منازلها ومحيطها الاجتماعي.

وبحسب البيانات ذاتها، ضمت العائلات المحتجزة 112 رجلاً تجاوزت أعمارهم 40 عاماً، بينهم 30 عسكرياً، إلى جانب 256 فتاة بعمر 15 عاماً، فيما بلغ مجموع النساء والأطفال الذين تعرضوا للاعتقال 1023 شخصاً.

وتعكس هذه الأرقام، بحسب ما تؤكده مؤسسة الشهداء، اتساع نطاق الإجراءات التي طالت أبناء الدجيل، إذ لم تقتصر على الأشخاص المتهمين بمحاولة اغتيال الرئيس السابق، وإنما امتدت آثارها إلى عائلات وأفراد من مختلف الفئات العمرية.

محاولة اغتيال وحملة أمنية

وتعود أحداث الدجيل إلى عام 1982، عندما تعرض موكب صدام حسين لمحاولة اغتيال أثناء مروره في القضاء، لتبدأ بعدها حملة أمنية واسعة شملت عمليات اعتقال وتحقيق وتعذيب ومحاكمات.

وأصبحت الواقعة لاحقاً واحدة من أبرز القضايا التي ارتبطت بمرحلة حكم النظام العراقي السابق، خصوصاً بعد سقوطه عام 2003، حيث أعيد فتح ملفات الأحداث والجرائم التي رافقتها ضمن المسار القضائي العراقي.

وفي عام 2005 بدأت محاكمة صدام حسين وعدد من معاونيه في قضية الدجيل، وانتهت بإصدار أحكام قضائية بالإعدام بحق عدد منهم، ونُفذ حكم الإعدام بحق صدام حسين في نهاية عام 2006.

غير أن ذاكرة الدجيل لا تختزل القضية في المحاكمة والأحكام القضائية، إذ يرى أبناء القضاء أن ما جرى ترك أثراً أوسع على المجتمع، من خلال فقدان أفراد من العائلات، واعتقال آخرين، وتهجير أسر، وما رافق ذلك من تداعيات اجتماعية ونفسية استمرت لسنوات طويلة.

ذاكرة لا تغيب

وعلى مقربة من جدارية الشهداء، يجتمع ذوو الضحايا وأهالي الدجيل لإحياء الذكرى، فيما تحمل الجدارية أسماء من قضوا في تلك الأحداث، لتتحول المناسبة إلى مساحة يلتقي فيها الماضي بالحاضر.

وتقول مؤسسة الشهداء إن استذكار ضحايا الدجيل يمثل وفاءً لتضحياتهم وتضحيات عائلاتهم، مؤكدة أن الجرائم التي ارتكبها النظام البعثي بحق أبناء المدينة وثقتها الوثائق الرسمية والأحكام القضائية.

وأكد رئيس مؤسسة الشهداء عبد الإله النائلي، خلال الاحتفال، أن المؤسسة مستمرة في حفظ حقوق ذوي الشهداء وتوثيق تضحياتهم، إلى جانب تدقيق الملفات والتصدي لمحاولات التزوير والاستفادة غير المستحقة.

ولم يكن الاحتفال مجرد كلمات رسمية، إذ تضمن عروضاً مسرحية وفيلماً وثائقياً تناول الأحداث، قبل أن تختتم الفعاليات بإيقاد الشموع تخليداً لأرواح الضحايا.

وبينما كانت الشموع تضيء المكان، ظل عباس الدجيلي يتابع المشهد بصمت للحظات، قبل أن يعود إلى الحديث عن المدينة التي عرفها شاباً وعاش فيها عقوداً طويلة.

ويقول إن الدجيل تغيرت كثيراً منذ تلك الأيام، لكن الذاكرة بقيت كما هي، وإن ما عاشه أبناء القضاء لا يمكن اختزاله في أرقام أو تواريخ، لأن وراء كل اسم حكاية عائلة، ووراء كل اعتقال منزلاً عاش سنوات من الانتظار.

وبالنسبة للدجيلي، فإن نقل هذه الشهادات إلى الأجيال المقبلة يمثل مسؤولية تقع على عاتق من عاصروا الأحداث، لأن مرور الزمن، كما يقول، لا ينبغي أن يعني فقدان التفاصيل.

وهكذا تستعيد الدجيل في كل ذكرى مشاهد من تاريخها الحديث، أسماء ضحايا، عائلات فرقتها الاعتقالات والتهجير، وأجيالاً حملت آثار تلك المرحلة معها حتى اليوم، فيما تبقى الجدارية والشهادات والوثائق شاهدة على فصل دامٍ من تاريخ القضاء، تحاول عائلات الضحايا ومؤسسة الشهداء إبقاءه حاضراً في الذاكرة الوطنية. 

 

 

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon