أزمة وقود حادة تضرب إقليم كوردستان.. شلل بالمحطات وطوابير على المدعوم (صور)
محطة وقود في مدينة أربيل بعدسة شفق نيوز
شفق نيوز - أربيل
شهدت أسواق المحروقات في إقليم كوردستان خلال الأيام الأخيرة توترات ملحوظة، تمثلت في أزمة حادة بتوفير مادة البنزين، وذلك بالتزامن مع القرارات الحكومية الرامية إلى خفض أسعاره للتخفيف عن كاهل المواطنين.
ورغم المساعي الرسمية لضبط السوق، أدى تباين التطبيق الميداني والآليات التنفيذية إلى ظهور اختناقات مرورية حادة أمام محطات تعبئة الوقود - الحكومية والأهلية - فيما أغلقت منافذ أخرى أبوابها أمام المستهلكين، لتدخل الأزمة مرحلة تتطلب معالجات عاجلة وميدانية.
جولة ميدانية: إغلاقات وشاشات خالية
تجولت كاميرا وكالة شفق نيوز في عدد من شوارع المدن الرئيسية لرصد الواقع الميداني، حيث بدت الصورة مغايرة لما تنص عليه القرارات الرسمية.
فقد عمدت أعداد كبيرة من المحطات الأهلية إلى إغلاق أبوابها كلياً، متذرعة بعدم قدرتها على الاستمرار في ظل الهوامش السعرية الجديدة التي لا تغطي تكاليف الاستيراد والنقل.
وفي المقابل، رفعت محطات أخرى لافتات رقمية وكتبت على شاشات عرض الأسعار عبارة "البنزين غير متوفر"، مما أثار حيرة واسعة بين السائقين حول أسباب الاختفاء المفاجئ للمادة.
ورغم القرارات والتوجيهات الصادرة، تبدو ملامح الأزمة جليّة في شوارع مدن الإقليم التي شهدت تراجعاً ملحوظاً في حركة المركبات؛ حيث فضّل كثير من المواطنين عدم الخروج حفاظاً على ما تبقى من وقود في سياراتهم، أو لتوقفها بالكامل.
في هذه الأثناء، استمرت محطات قليلة ببيع البنزين التجاري من نوع "النورمال" بسعر وصل إلى 850 ديناراً للتر الواحد، مما دفع أعداداً غفيرة من السائقين للتوافد عليها بحثاً عن الوقود الضروري لتسيير أعمالهم.
شهادات المواطنين: طوابير طويلة وغلاء في الأجرة
وفي جولة لقاءات أجرتها الوكالة مع عدد من المتضررين، قال أحمد محمد، وهو سائق أجرة: "نرحب بكل خطوة تسعى لخفض الأسعار ومساعدة المواطن، لكن المشكلة تكمن في التنفيذ العملي. أبحث منذ الصباح في أكثر من أربع محطات لأجدها إما مغلقة أو تعلن عدم توفر الوقود. وعندما عثرت على محطة مفتوحة تبيع بسعر 850 ديناراً للتر الواحد، اضطررت للوقوف في طابور استمر أكثر من ساعتين".
وأعرب محمد عن أمله في فرض رقابة صارمة تضمن توفير المادة بالسعر الرسمي المدعوم.
من جهتهم، شكا ركاب سيارات الأجرة (التاكسي) من ارتفاع قيمة الأجرة بما لا يقل عن 1000 دينار عراقي جراء الأزمة. وأكد معظمهم - وهم من ذوي الدخل المحدود - أن ارتفاع التكلفة أثقل كاهلهم في ظل تراجع الحركة التجارية والقدرة الشرائية بالإقليم إلى مستويات وصفها تجار وكسبة بأنها الأصعب منذ عقود. ويأتي ذلك متزامناً مع استمرار أزمة تأخر صرف الرواتب، وانعكاس التوترات الإقليمية على الواقع الاقتصادي المحلي.
من جانبه، أشار المواطن كاروان عبد الله (موظف حكومي) إلى أن الأزمة أصبحت مرهقة للغاية، قائلاً: "السيارة هي وسيلتي الوحيدة للوصول إلى مقر عملي. نتفاءل حين نسمع بقرارات خفض الأسعار، لكننا نفاجأ بغياب المادة ميدانياً أو استمرار بيعها بأسعار مرتفعة وسط ازدحام شديد".
وطالب عبد الله الجهات المعنية بالتدخل السريع وإيجاد آلية تضمن التزام جميع المحطات بالتسعيرة الجديدة وتوفير مخزون كافٍ ينهي الطوابير.
أسعار خيالية واختفاء للفئات العالية
وكان سعر اللتر الواحد للبنزين عالي الأوكتين (السوبر) قد وصل إلى نحو 2000 دينار عراقي، والمتوسط (المحسن) إلى نحو 1750 ديناراً، والعادي (النورمال) إلى أكثر من 1300 دينار في محطات الوقود التجارية غير المدعومة، قبل أن تختفي هذه الفئات تقريباً من معظم المحطات مع الإبقاء على مادتَي "الكاز" والغاز السائل فقط.
المواقف الرسمية والتسعيرة الجديدة
تأتي هذه التطورات في وقت أكد فيه المتحدث باسم محطات الوقود في محافظة السليمانية، بهمن قادر، دعم أصحاب المحطات لقرار حكومة إقليم كوردستان القاضي بتحديد تسعيرة ثابتة، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة مراعاة هامش ربح مناسب للمحطات دون تحميل المواطنين أعباء إضافية.
وفي المقابل، أعلنت محافظة أربيل خفض سعر لتر البنزين العادي "النورمال" في عموم المحطات إلى 850 ديناراً تنفيذًا لقرارات مجلس الوزراء ووزارة الثروات الطبيعية.
وأكد محافظ أربيل، أُميد خوشناو، في مؤتمر صحفي حضرته وكالة شفق نيوز، يوم الثلاثاء الماضي أن "نحو 280 محطة وقود في المحافظة أبدت التزامها بالتسعيرة الجديدة بعدما كان السعر يتجاوز حاجز الـ1000 دينار"، مشيراً إلى أن القرار ملزم لجميع التجار والمجهزين، مع استمرار توزيع البنزين المدعوم حكومياً بسعر 750 ديناراً بشكل يومي.
كما شدد خوشناو على أن فرق الرقابة ستتولى المتابعة الميدانية لضمان الالتزام منعاً للاحتكار.
وكان وزير الثروات الطبيعية في الإقليم، كمال صالح محمد، قد أعلن تطبيق التسعيرة الجديدة للبنزين في عموم المحطات، مهدداً باتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحق المخالفين.
ووفقاً لكتاب صادر عن الوزارة، تقرر استمرار توزيع البنزين المدعوم بنوعية "نورمال" بسعر 750 ديناراً للتر الواحد وفق الآليات السابقة، مع تكثيف الجهود لطرح أكبر كمية ممكنة في الأسواق، فضلاً عن تحديد سقف البنزين التجاري "النورمال" بما لا يتجاوز 850 ديناراً للتر الواحد.
تأتي هذه القرارات بعد سماح وزارة الثروات الطبيعية مطلع الشهر الجاري باستيراد الوقود بهدف معالجة النقص والسيطرة على الأسعار المرتفعة التي عزتها أوساط اقتصادية إلى تقلبات الأسواق العالمية وتحديات الإمداد والتوريد.