"واقعية المصالح".. كيف أعاد العراق وسوريا بناء العلاقة بعد سقوط الأسد؟
فائق زيدان يلتقي الشرع في دمشق - 13 آب 2026
شفق نيوز- بغداد/ أربيل/ دمشق
بعد عام وثمانية أشهر على سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، تبدو العلاقة بين بغداد ودمشق مختلفة جذرياً عما كانت عليه في الأسابيع الأولى التي أعقبت التغيير.
فمن اتصالات استخبارية عاجلة هدفت أساساً إلى احتواء المخاطر، انتقلت العلاقة تدريجياً إلى الحدود والتجارة والطاقة، ثم إلى القنوات السياسية والدبلوماسية، وصولاً إلى القضاء والملفات المؤسسية.
لكن هذا التحول لا يعني أن الطريق أصبح ممهداً بالكامل، إذ لا تزال هناك مفارقة لافتة، فبينما تتوالى الزيارات العراقية إلى دمشق، من رئيس جهاز المخابرات الوطني حميد الشطري إلى وزير الخارجية فؤاد حسين، ثم رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، واليوم رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، تبقى الزيارات السورية الرسمية إلى بغداد محدودة.
وفي هذا السياق، كانت آخر زيارة سورية رسمية رفيعة إلى بغداد بقيادة وزير الخارجية أسعد الشيباني تعود إلى عام 2025، فيما لم يزر الرئيس أحمد الشرع بغداد حتى الآن.
بغداد وهاجس الخطر
وهذا يعود إلى أن نظرة بغداد إلى سقوط نظام الأسد لم تقتصر على كونه تحولاً سياسياً سورياً، إذ كان العراق يرى في حدوده الممتدة مع سوريا، والبالغة نحو 600 كيلومتر، جبهة أمنية مفتوحة، ويخشى أن يؤدي انهيار منظومة السلطة في دمشق إلى فراغ تستفيد منه خلايا تنظيم "داعش" أو جماعات مسلحة أخرى.
وكانت خلفية أحمد الشرع، الذي ارتبط اسمه سابقاً بتنظيم القاعدة في العراق، أحد عناصر القلق داخل الأوساط السياسية والأمنية العراقية، إلى جانب الخشية من مصير السجون والمخيمات التي تضم عناصر من التنظيم وعائلاتهم في شمال شرق سوريا.
كما دخل عامل آخر في الاعتبارات العراقية، تمثل في نفوذ الفصائل المسلحة العراقية وشبكاتها الممتدة داخل سوريا، وما يمكن أن يعنيه سقوط النظام السابق بالنسبة إلى ترتيبات النفوذ وخطوط الإمداد الإقليمية.
وفي تلك المرحلة، اتسم الموقف العراقي بالتحفظ الشديد، ولم تسارع بغداد إلى الاعتراف السياسي الكامل بالتحول الجديد، فيما كانت تراقب سلوك الإدارة السورية الجديدة وتبحث عن إجابات لأسئلة تتعلق بالحدود والإرهاب ومستقبل المعتقلين.
لكن بغداد، في الوقت نفسه، لم تغلق الباب، ففي 26 كانون الأول/ ديسمبر 2024، أي بعد 18 يوماً فقط من سقوط الأسد، وصل رئيس جهاز المخابرات الوطني العراقي حميد الشطري إلى دمشق على رأس وفد رفيع للقاء الإدارة السورية الجديدة.
وكانت الزيارة أول اتصال عراقي بارز ومباشر مع السلطة الجديدة، في وقت كانت فيه العلاقات السياسية الرسمية بين بغداد ودمشق لا تزال في حالة جمود.
البداية من المخابرات
ولم تكن زيارة الشطري الأولى مجرد اتصال أمني عابر، فقد حملت رسائل تتعلق بضبط الحدود، ومنع انتقال الجماعات المسلحة إلى العراق، ومصير عناصر "داعش" والسجون التي تحتجزهم، وهي ملفات بقيت لاحقاً في صلب العلاقة بين البلدين.
وكانت الأجواء متوترة إلى درجة أن استقبال الشرع للشطري، في ذلك الوقت، أثار جدلاً واسعاً بعدما ظهر الرئيس السوري حاملاً سلاحه الشخصي.
لكن أهمية الزيارة تتضح أكثر عند النظر إلى ما حدث بعدها، ففي 25 نيسان/ أبريل 2025، عاد الشطري إلى دمشق على رأس وفد حكومي عراقي أوسع، ضم مسؤولين عن قوات الحدود وهيئة المنافذ ووزارتي النفط والتجارة.
ولم يعد جدول الأعمال أمنياً فقط، إذ بحث الوفد مكافحة الإرهاب، والتبادل التجاري، وإعادة تصدير النفط العراقي عبر الموانئ السورية على البحر المتوسط.
وفي 28 آب/ أغسطس 2025، أجرى الشطري زيارة ثالثة إلى دمشق والتقى الشرع، حيث بحثا أمن الحدود ومكافحة الإرهاب وأوضاع الجالية العراقية في سوريا، مع اتفاق على زيادة التعاون الأمني لتعزيز استقرار المنطقة.
وفي الاتجاه المقابل، بدأت دمشق أيضاً بمحاولة فتح مسار مع بغداد، فوصل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بغداد في 14 آذار/ مارس 2025، والتقى مسؤولين عراقيين، مؤكداً أن الإدارة الجديدة تريد تعزيز العلاقات مع العراق والتعاون لمنع التدخلات الخارجية ومواجهة تحديات إعادة البناء، واعتُبرت الزيارة خطوة في إعادة بناء الثقة بين البلدين.
ثم حضر الشيباني إلى بغداد في 16 أيار/ مايو 2025 لتمثيل الرئيس أحمد الشرع في القمة العربية الرابعة والثلاثين، بعد أن تقرر عدم مشاركة الشرع شخصياً في القمة وسط جدل سياسي عراقي حول دعوته.
اتساع مسارات التواصل
وجاء التحول الأوضح في 29 حزيران/ يونيو 2026، عندما زار وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين دمشق في أول زيارة رسمية له إليها، والتقى الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب، وبحث معه تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق بشأن التحديات المشتركة.
وفي 6 تموز/ يوليو 2026، عقد العراق وسوريا أول اجتماع حدودي معلن بين قوات الحدود في منطقة القائم، بحث آليات التنسيق الميداني وتبادل المعلومات وضبط الشريط الحدودي.
ثم جاءت، اليوم الخميس، الخطوة الأحدث والأكثر مؤسساتية، حيث وصل رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان إلى دمشق على رأس وفد قضائي، في زيارة هي الأولى من نوعها، والتقى وزير العدل السوري مظهر عبد الرحمن الويس، ولاحقاً الرئيس أحمد الشرع.
وكان ملف معتقلي "داعش" المنقولين إلى السجون العراقية في مقدمة الملفات المطروحة في اللقائين، إلى جانب التعاون القضائي والقانوني وتبادل الخبرات والعدالة الانتقالية والشفافية ومكافحة الفساد والقضايا القضائية المشتركة.
وقال زيدان إن العراق يشد على أيدي سوريا في إعادة بناء الدولة بمختلف المجالات، مبدياً استعداد مجلس القضاء الأعلى لتقديم المساعدة والخبرة في الجانب القضائي.
وفي هذا الجانب، يرى المحلل السياسي من بغداد، صباح العگيلي، أن زيارة فائق زيدان اليوم مهمة، لكنه يأمل أن تتبعها زيارات متبادلة على مستويات أمنية واقتصادية وسياسية.
ويقول العگيلي لوكالة شفق نيوز، إن العراق وسوريا بحاجة إلى ترسيخ علاقات متوازنة في منطقة تمر بمرحلة حرجة، مشيراً إلى أن العلاقات التاريخية بين البلدين والمصالح المتبادلة تفرض تنسيقاً أكبر.
ويضع العگيلي ملف "داعش" في قلب التحرك القضائي، قائلاً إن العراق يحتجز نحو 7 آلاف من عناصر التنظيم، وإن غالبية هؤلاء من الجنسية السورية، ما يجعل التنسيق بشأن المحاكمة والنقل والإجراءات القانونية ضرورة أمنية وقضائية، إلى جانب احتمال وجود مطلوبين للقضاء العراقي داخل سوريا.
ويضيف أن ملف الطاقة تم تفعيله لكنه لا يزال دون مستوى الطموح، ويرى أن استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز يجعل التعاون مع سوريا في مجال تصدير النفط أكثر إلحاحاً، وهو ما يتطلب اتفاقات واضحة بين البلدين.
يذكر أنه في 31 آذار/ مارس 2026، انطلقت أولى شحنات النفط العراقي بالصهاريج عبر منفذ الوليد باتجاه ميناء بانياس، فيما وصلت في 1 نيسان/ أبريل أولى قوافل زيت الوقود العراقي عبر التنف إلى بانياس.
ثم تطورت الفكرة إلى بحث إعادة تأهيل خط كركوك–حديثة–بانياس التاريخي، وسط دعم أميركي للمشروع ومباحثات عراقية سورية لتوسيع طاقته.
ملف الكورد
وبالتوازي مع زيارات بغداد إلى دمشق، تحرك رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني عبر مسار سياسي مختلف، ركز فيه على الملف الكوردي السوري.
ففي 17 نيسان/ أبريل 2026، التقى نيجيرفان بارزاني الرئيس أحمد الشرع على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، وبحثا العلاقات بين إقليم كوردستان والعراق مع سوريا، خصوصاً في الاقتصاد والتجارة، إلى جانب التطورات الإقليمية وأوضاع الكورد والمكونات الأخرى في سوريا، كما تناول اللقاء الاتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية.
وقبل ذلك بأيام، في 6 نيسان/ أبريل، كان الشرع قد أجرى اتصالاً هاتفياً بنيجيرفان بارزاني، بحث خلاله الطرفان أوضاع المنطقة والعلاقات السورية العراقية وأوضاع الكورد والمكونات في سوريا، فيما أدان الشرع الهجمات التي استهدفت إقليم كوردستان على خلفية الحرب الإقليمية الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
ثم جاءت زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق في 3 آب/ أغسطس الجاري، حيث التقى الشرع في قصر الشعب.
وهذا ما يجعل نيجيرفان بارزاني، وفق قراءة السياسي الكوردي من أربيل، عبد السلام برواري، مؤهلاً للعب دور في إزالة التشنجات التي رافقت وصول السلطة الجديدة في سوريا.
ويقول برواري لوكالة شفق نيوز، إن العراق وسوريا جاران ويجب أن يحاولا إيجاد انسجام، لأن كلاً منهما بحاجة إلى الآخر، مشيراً إلى أن ظروف وصول السلطة الجديدة في دمشق رافقتها تشنجات داخل بغداد.
ويرى أن نيجيرفان بارزاني قادر على المساعدة في تخفيف هذه التشنجات، لافتاً إلى أن تحركه بين أربيل وبغداد ودمشق قد يفتح الطريق أمام مزيد من الزيارات المتبادلة.
ويشير برواري أيضاً إلى أن ملف خط بانياس، إلى جانب مكافحة الإرهاب والتنسيق العراقي السوري، كان من بين الملفات المرتبطة بهذا المسار.
ويرى مراقبون أن الدور الذي يحاول نيجيرفان بارزاني أداءه لا ينحصر في العلاقة الثنائية بين أربيل ودمشق، فملف شمال شرق سوريا يضع أمامه ثلاثة أطراف رئيسية، دمشق، والقوى الكوردية السورية، وبغداد، إلى جانب الولايات المتحدة وتركيا وأطراف إقليمية أخرى.
ومن خلال استقبال مظلوم عبدي والاتصالات المتعلقة بمستقبل قوات سوريا الديمقراطية، تحاول أربيل المساهمة في منع تحول عملية دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في الدولة السورية إلى صدام جديد.
والصيغة التي تظهر في مواقف نيجيرفان بارزاني تقوم على رؤية واضحة، سوريا موحدة ومستقرة، لكن مع ضمان حقوق الكورد والمكونات الأخرى.
مرحلة جديدة
وفي ظل هذه التطورات، يرى الباحث في الشأن السوري من دمشق، أحمد كامل، أن ما يجري لا يمكن فصله عن التغيرات السياسية التي شهدها البلدان.
ويقول كامل لوكالة شفق نيوز، إن سوريا دخلت عهداً جديداً، وإن العراق يشهد بدوره تغييراً سياسياً ملموساً، مشيراً إلى أن الحكومة العراقية الحالية برئاسة علي الزيدي، وكذلك حكومة محمد شياع السوداني السابقة، كانتا تسعيان إلى إقامة علاقات جيدة مع سوريا.
ويرى أن الحكومة العراقية الجديدة تتبنى خطوة استراتيجية تتمثل في حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء ظاهرة الميليشيات المسلحة، معتبراً أن نجاح هذه الخطوة سيضع العراق أمام مرحلة جديدة.
ويقول إن دمشق "ترد التحية بمثلها أو أحسن منها"، وتسعى إلى علاقة تقوم على المصالح المشتركة ومواجهة المخاطر المشتركة، معتبراً أن التنسيق بين البلدين بلغ مستويات استراتيجية.
ويربط بين ذلك وبين الجغرافيا الاقتصادية الجديدة، قائلاً إن العراق وسوريا ولبنان والأردن وتركيا يمكن أن تشكل معاً شبكة بديلة للممرات البحرية الأكثر تعرضاً للمخاطر.
ويشير كامل في الختام إلى ازدياد حركة الشاحنات بين العراق وسوريا، وإلى إعادة بناء خطوط النفط، باعتبارهما مؤشرين على أن ما كان مجرد تصور سياسي بدأ يتحول إلى وقائع اقتصادية.