هل أطاح الرهان على المظهر والمشاهدات بالثقافة الإعلامية في العراق؟
شفق نيوز/ في ظلّ وفرة
القنوات الفضائية وتعدّد البرامج السياسية والاجتماعية، برزت مشكلات عدّة تتعلق
بالكوادر الإعلامية وما يترتب على أخطائهم من ردود فعل سلبية لدى الجمهور.
هذا ما رصده مختصون في
الإعلام من جوانب قصور، أبرزها ضعف ثقافة بعض المذيعين وعجزهم عن ضبط مجريات
الحوار، فضلًا عن لجوء بعض القنوات إلى اختيار المقدمين بناءً على مظهرهم الخارجي
فقط، خصوصًا الفتيات، دون الاكتراث بكفاءتهم المهنية، وفي ضوء ذلك، تتعالى المطالب
بتشديد الرقابة وتكثيف التدريب للكوادر الإعلامية، بما يضمن ظهورًا أكثر احترافية.
وبالمجمل، شهدت الساحة
الإعلامية العراقية اتساعًا ملحوظًا في عدد وسائل الإعلام والفضائيات بعد العام
2003، حيث أتاح التغيير السياسي وانفتاح الأجواء مساحة أوسع لتأسيس قنوات
تلفزيونية ومحطات إذاعية وصحف ومواقع إلكترونية، مما خلق هذا التعدد الإعلامي بفتح
منافذ متنوعة لمختلف التوجهات والاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية.
لكن، يرى مختصون أن
هذا التنوع أدى في بعض الحالات إلى استقطابات وحملات دعائية متبادلة، وهو ما يؤثر
على موضوعية المحتوى ومعايير المهنية الإعلامية.
ويشير الإعلامي محمد
سلام، في حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أنّ "السلوكيات غير المهنية وضعف
الثقافة والذوق العام لدى بعض مقدمي ومقدمات البرامج، تؤثر سلباً على مستوى
الإعلام وتشوِّه ذائقة المشاهد، الأمر الذي يؤدي إلى تسطيح المضمون الإعلامي
والإساءة لسمعة المهنة".
ويؤكد سلام أنّه
"لضمان تقديم محتوى إعلامي هادف، ينبغي للمذيع أن يتحلى بسعة الاطّلاع
واللباقة، والالتزام بأخلاقيات المهنة، فضلاً عن قدرته على إدارة الحوارات بذكاء
واحترام، كما يستوجب الابتعاد عن الإثارة المفتعلة والجدل غير البنّاء، والتركيز
على طرح مضامين تثري وعي الجمهور".
وكانت هيئة الإعلام
والاتصالات قد أعلنت سابقاً عن حزمة إجراءات ستُتخذ بحق القنوات التي تخالف
مدوَّنة السلوك الإعلامي.
وفي هذا السياق، يوضح
المتحدث باسم الهيئة، حيدر العلاق، في تصريح لوكالة شفق نيوز، أنّه "يوجد في
الهيئة ما يُسمى بلائحة البث الإعلامي، وتتألف من فقرات تمنع خطاب الكراهية
والخطاب المضلل، إضافة إلى مواد تعنى بالنزاهة والشفافية والدقة في نقل
الأخبار".
ويمضي العلاق قائلاً:
"تستند الهيئة في متابعتها للمؤسسات الإعلامية وبرامجها على هذه اللائحة، كما
يتضمّن الباب الثاني منها بنداً خاصاً باللباقة والآداب والذوق العام، يُلزم القنوات
بالمعايير التي يتحلّى بها المجتمع العراقي، ويمنع بث المشاهد الفاضحة أو الحوارات
المسيئة للحياء".
ويؤكد العلاق أنّه
"يتم إبلاغ المؤسسات الإعلامية بأي مخالفة تُرصَد، مع أخذ تعهّد بعدم
تكرارها. وفي حال الإصرار على المخالفة، تُتخذ إجراءات أشدّ، من بينها منع ظهور
الإعلامي أو الإعلامية المعنيين أو إيقاف البرنامج بالكامل".
ودفع ارتفاع عدد وسائل
الإعلام في العراق بمنافسة محتدمة على استقطاب الجمهور، مما خلق أيضًا بيئة مضغوطة
تدفع بعض المنصات إلى اللجوء للإثارة وكسب أعداد المشاهدات والاعجابات على حساب
النوعية والموضوعية.
"أميون"
وأخطاء كبيرة
يشير الإعلامي محمد
الكعبي، إلى وجود ما وصفه بـ"خروق كارثية" رُصدت لدى بعض مقدمي ومقدمات
البرامج خلال ظهورهم على الشاشة.
ويؤكد، في حديثه
لوكالة شفق نيوز، أنّ "بعض المذيعات لا يراعين الذوق العام من حيث اللغة
وطريقة إدارة الحوار، فضلاً عن هيئة الجلوس والملابس غير الملائمة للظهور في
برنامج موجّه للجمهور".
من جهته، يعيب
الإعلامي والأكاديمي حسن الشمري على المؤسّسات الإعلامية ما يصفه بـ"توظيف
الأميين والأميات" بالاعتماد على المظهر فقط، من دون الاكتراث لمعايير
الثقافة والاختصاص والسلوك.
ويشير الشمري إلى أنّ
"أحد أبرز الأخطاء الجسيمة لبعض الإعلاميين والإعلاميات تكمن في ضعف اللغة
والسلوك، ما يدفع المشاهد للشعور بالاستهجان، إذ يُخلّ ذلك بالذائقة العامة".
ويضيف الشمري أنّ
"مهنة الإعلام تتطلب مراعاة اعتبارات مهنية وأخلاقية، لأنّ الإعلاميين يُنظر
إليهم كشخصيات عامة، وللإعلام دور جوهري إلى جانب الجامعات والأكاديميات
والمؤسّسات الثقافية في تشخيص الأخطاء المجتمعية وتعزيز الوعي". لذا، بحسب
قوله، "لا بد من توفّر شروط جوهرية في المذيع والمذيعة، ومنها الثقافة
الواسعة وإتقان اللغة وانتقاء المفردات المناسبة، فضلاً عن حيوية الأداء في إدارة
الحوار وكسب المشاهد عبر المحتوى الراقي، لا بالاعتماد على الشكل وحده".
حملة رسالة
من جانبه، يؤكد مدير
العلاقات والإعلام في اتحاد الإذاعات والتلفزيونات العراقية، عدنان العربي، في
حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "الإعلاميين يُعَدّون حملة رسالة، لا سيما مقدمي
البرامج الذين يتواصلون مباشرة مع الجمهور، ما يحتم عليهم الظهور بصفات تميّزهم
حضورًا وأسلوبًا".
ويوضح أنّ
"الاحترافية في أداء مقدمي البرامج عند طرح المواضيع تبقى العامل
الأهم"، لافتًا إلى "وجود إعلاميين أثبتوا كفاءتهم خلال السنوات
الماضية".
فقدان "الثقة
والهدوء"
من جهته، يلفت الأستاذ
في كلية الإعلام بالجامعة العراقية، علاء نجاح، في حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أنّ
"افتقاد بعض مقدمي البرامج للقدرة على التواصل مع الضيف والجمهور، إضافة إلى
غياب الثقة والهدوء، يُعدّ من أبرز مشكلات الإعلاميين".
ويشير إلى أنّ
"كثيرًا من المحاورين يُبدون انفعالات واضحة في بعض الاحيان، ويميل بعضهم
لجانب دون آخر"، مبيّنًا أن "عجز بعض المذيعين عن التكيف مع مجريات
البرنامج يضطرّهم إلى الاكتفاء بالأسئلة المُعدّة سلفًا، في حين يتوجب استنباط
تساؤلات إضافية من إجابات الضيوف، فضلًا عن ضرورة قيامهم بالبحث والتحضير المسبق
للموضوعات المطروحة".
ويؤكد نجاح
"أهمية الظهور بمظهر لائق أمام الجمهور، لأنه يعكس سمعة المؤسسة
الإعلامية"، مشدّدًا على "ضرورة امتلاك المذيعين لغة سليمة وصوتًا
إذاعيًا أو تلفزيونيًا مناسبًا، وهو ما يفتقر إليه البعض. كما أنّ افتقاد الاحترافية
في تقديم البرامج، من حيث إدارة الوقت وتقسيمه بين الضيوف، يُعد مشكلة قائمة لدى
عدد من الفضائيات".