11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

"مرثية" النحاس والصوف والحديد.. الحرف اليدوية تصارع الزمن في أسواق الموصل القديمة

"مرثية" النحاس والصوف والحديد.. الحرف اليدوية تصارع الزمن في أسواق الموصل القديمة
2026-07-08T17:45:46+00:00

شفق نيوز- نينوى

يجلس الحاج أبو محمد وحيداً في دكانه الصغير الصامت وسط سوق "الصوافة" بالجانب الأيمن لمدينة الموصل. يداه الممتلئتان بالتجاعيد والخبرة تُداعبان ما تبقى من الصوف الأبيض الناعم "الجزز" الحاضر في زوايا المحل، وينظر بحسرة إلى الممرات الهادئة التي هجرها الصخب وتحولت تدريجياً لبيع الملابس الجاهزة والمستوردة، ليعلن دون أن يدري عن مشهد درامي يمثل الكفاح الأخير لأقدم مهن "أم الربيعين".

الحاج أبو محمد، الذي يبلغ من العمر 73 عاماً، ليس مجرد بائع أو حرفي؛ هو الذاكرة الحية لمهنة كادت تُمحى من الوجود.

ويتحدث أبو محمد، لوكالة شفق نيوز، وعيناه تجولان في فضاء المكان: "لم يبقَ منا سوى أفرادٍ يُعدّون على أصابع اليد الواحدة. قديماً، كان لـ(بيت الصواف) مكانة اجتماعية كبرى في الموصل، وكان الصوف أول ما تفكر فيه العائلة الموصلية عند تزويج أبنائها لصناعة (الجودلية) والأغطية والفرش والمطارح والعباءات الفاخرة مثل (الفراوي الحورانية) أو (الطرحي) النادر المصنوع من صوف الخراف الصغيرة".

ويستذكر أبو محمد، بحنين حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي "عندما كانت النساء الموصليات يتجمعن على ضفاف نهر دجلة لغسل جِزز الصوف وتجهيزها ببهجة وأغانٍ تراثية تسبق حفلات الزفاف، قبل إرسالها إلى (النداف) ثم (الصواف)".

ويكمل: "اليوم تلاشت تلك المظاهر تماماً، وحلّت السلع المستوردة من أغطية البوليستر الرخيصة بدلاً من دفء الصوف الطبيعي"، مشيراً إلى أن "غياب الدعم الحكومي والتحول الاستهلاكي جعل دكانه آخر القلاع المقاومة في سوق الصوافة".

من الصوف إلى النار

القصة الحزينة لـ"سوق الصوافة" ليست معزولة، بل هي فصل من فصول تراجع الهوية البصرية والتراثية لأسواق الموصل القديمة، التي تعرضت لدمار هائل خلال العمليات العسكرية لطرد تنظيم "داعش" عام 2017، ثم واجهت لاحقاً إهمالاً حكومياً واضحاً في ملف إعادة إحياء الحرف التقليدية.

فإذا غادرت دكان أبو محمد وتوجهت نحو سوق الحدادين، ستستقبلك رائحة الحديد والنار، ولكن دون الجلبة المعهودة.

هنا، يقف الحاج أحمد حداد (65 عاماً) أمام ورشته، ممسكاً بملقطه ومطرقته، ويؤكد لوكالة شفق نيوز، أن "السوق الذي كان يغذي نينوى والمحافظات المجاورة بالآلات الزراعية والإنشائية اليدوية يمر بمرحلة احتضار".

يقول: "كنا نشغلّ عشرات العمال في المحل الواحد، اليوم بالكاد نجد عملاً لشخصين. الأدوات المستوردة الرخيصة والجاهزة من مناشئ مختلفة قضت على الإنتاج المحلي، فضلاً عن عدم وجود أي تسهيلات أو إعفاءات تضمن بقاءنا".

صرخة النحاس في سوق الصفارين

ليس بعيداً عن سوق الحدادين، يقبع سوق الصفارين، المعلم التاريخي الذي كان يضج بإيقاعات الطرق على النحاس لإنتاج الأواني والدلال واللوحات الفنية. هذا السوق الذي وثقت تقارير "منظمة اليونسكو" أهميته التراثية كأحد شرايين الهوية الموصلية، بات يعاني من صمت شبه كامل.

الحرفيون في سوق الصفارين يعزون هذا الاندثار الممنهج إلى عوامل عدة تلخص الواقع الحرفي في العراق أهمها ارتفاع أسعار المواد الخام وعدم توفر النحاس بأسعار مدعومة من الدولة يرفع تكلفة المنتج اليدوي بشكل كبير.

وكذلك عزوف الجيل الجديد، حيث تطلّب هذه المهن جهداً بدنياً شاقاً ومردوداً مادياً شحيحاً، مما دفع الأبناء لترك حرف الآباء والبحث عن وظائف حكومية أو مهن أسهل.

بالإضافة إلى ذلك غياب السياحة والتسويق: وغياب المعارض والمنافذ السياحية القادرة على تصريف هذه المنتجات التراثية كقطع فنية وهدايا للسياح.

رصاصة الرحمة على التراث

وتؤكد التقارير الصادرة عن الحرفيين في مدينة الموصل، والمنظمات التراثية المحلية، أن ما يحدث لأسواق الموصل هو "فقدان لذاكرة المدينة الإنسانية".

ورغم الوعود الرسمية المتكررة بإعادة تأهيل الأسواق التراثية، إلا أن الواقع يشير إلى أن الجهود تركزت فقط على البناء الخارجي للأسواق (الجدران والأسقف) دون الالتفات إلى الحرفي نفسه. فالحرفيون يطالبون بقروض ميسرة، وتوفير مواد أولية مدعومة، وحماية جمركية للمنتج الوطني بوجه المواد المستوردة، وهي أمور غائبة تماماً عن أجندة الجهات المعنية.

ويبقى الحاج أبو محمد في سوق الصوافة، والحاج أحمد حداد في سوق الحدادين، وزملائهم في سوق الصفارين، يمثلون الخطوط الأمامية لمعركة خاسرة ضد الزمن والإهمال. إنهم لا يبيعون صوفاً أو حديداً أو نحاساً فحسب، بل يبيعون ما تبقى من روح الموصل القديمة، في انتظار التفاتة حقيقية تنقذ هذه الكنوز الحية قبل أن تُغلق دكاكينهم للمرة الأخيرة، ويتحول التراث إلى مجرد صور في كتب التاريخ.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon