ما وراء التصريحات.. رسائل لقاء ترمب والزيدي في البيت الأبيض
شفق نيوز- بغداد
في لقاء حمل رسائل سياسية واقتصادية وأمنية متعددة، استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء الثلاثاء بتوقيت بغداد، رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض، في أول زيارة خارجية له منذ توليه رئاسة الحكومة، وسط ظروف إقليمية معقدة تتصدرها عودة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة في المنطقة.
اللقاء الذي جمع الطرفين في المكتب البيضاوي لم يكن مجرد محطة بروتوكولية في العلاقات العراقية–الأميركية، بل بدا محاولة لإعادة صياغة طبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن، عبر الانتقال من مرحلة ركزت على الملف الأمني والعسكري إلى مرحلة جديدة تضع الاقتصاد والطاقة والاستثمار في مقدمة الأولويات، مع بقاء ملفات السلاح والنفوذ الإقليمي حاضرة بقوة على طاولة النقاش.
وخلال المؤتمر الصحفي المشترك، أعلن ترمب أن الولايات المتحدة لا ترى حاجة لاستمرار وجود عسكري أميركي في العراق، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستعتمد على شراكة اقتصادية واسعة، خصوصاً في قطاع النفط، في حين شدد الزيدي على أن بلاده تتجه إلى إنهاء مهمة التحالف الدولي مقابل فتح الباب أمام الشركات الأميركية للاستثمار في العراق.
لكن خلف العبارات الدبلوماسية، حمل اللقاء ملفات أكثر حساسية، أبرزها مستقبل الفصائل المسلحة، والعلاقة مع إيران، وأمن الطاقة، ومستقبل الدور العراقي في منطقة تشهد توترات متزايدة.
شراكة جديدة
وأكد الرئيس الأميركي خلال اللقاء أن العلاقة مع بغداد تدخل مرحلة مختلفة، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة دعمت العراق خلال الحرب ضد تنظيم "داعش"، لكنها لم تعد ترى ضرورة لبقاء قواتها عسكرياً في البلاد.
وقال ترمب إن "لا حاجة للوجود العسكري الأميركي في العراق"، مؤكداً في الوقت نفسه استعداد واشنطن لدعم العراق أمنياً عند الضرورة.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة والعراق يتجهان نحو شراكة قوية في قطاع النفط، معلناً أن شركات الطاقة الأميركية ستدخل العراق بمستويات وصفها بأنها "غير مسبوقة"، وأن الأسبوع المقبل سيشهد الإعلان عن شراكة نفطية كبيرة وصفقات تجارية واسعة بين البلدين.
كما وصف ترمب العراق بأنه بلد غني بالثروات والاحتياطات النفطية، معتبراً أن المرحلة المقبلة يجب أن تستثمر هذه الإمكانات في تعزيز التعاون الاقتصادي.
ولم يخف الرئيس الأميركي دعمه السياسي للزيدي، إذ قال إنه كان مهتماً بوصوله إلى رئاسة الحكومة، معتبراً أن منافسه كان يتبنى مواقف غير مناسبة تجاه واشنطن (في إشارة إلى نوري المالكي).
ووصف ترمب الزيدي بأنه "قائد رائع"، معرباً عن اعتقاده بأنه سيبقى في منصبه لفترة طويلة، وقال إن العراق يشهد تحولاً في علاقته مع الولايات المتحدة.
محور الطاقة
احتل ملف الطاقة مساحة واسعة من مباحثات البيت الأبيض، في ظل رغبة بغداد في جذب الشركات الأميركية لتطوير القطاع النفطي والغازي، وزيادة الإنتاج وتحسين البنية التحتية.
وقال الزيدي إن العراق يريد شراكة اقتصادية متينة مع الولايات المتحدة، وإن انتهاء الوجود العسكري الأميركي سيقابله دخول الشركات الأميركية إلى السوق العراقية.
وأكد أن العلاقة بين البلدين يجب أن تقوم على الروابط الاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط على التعاون العسكري.
وأوضح أن العراق، بوصفه أحد الدول المؤسسة لمنظمة أوبك، يطالب بحصة إنتاج نفطي عادلة تتناسب مع إمكاناته، لافتاً إلى أن البلاد دفعت ثمناً كبيراً خلال الحرب على الإرهاب التي خلفت أضراراً واسعة في البنية التحتية.
وتزامناً مع لقاء البيت الأبيض، بحث وزير النفط العراقي باسم العبادي في واشنطن مع رئيس شركة "شيفرون" الأميركية، جيك سبيرينج، فرص توسيع التعاون في قطاعي النفط والغاز، وتطوير الإنتاج والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا العالمية.
ويأتي ذلك ضمن توجه حكومي لجذب شركات الطاقة الكبرى، وتنويع منافذ تصدير النفط وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مضيق هرمز.
معضلة الفصائل
كان ملف الفصائل المسلحة أحد أكثر الملفات حساسية خلال زيارة الزيدي، إذ أكد رئيس الوزراء العراقي أن حكومته ماضية في تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة.
وقال الزيدي إن القوات الأمنية العراقية أصبحت قادرة على حماية البلاد، وإن المرحلة التي تلي انتهاء مهمة التحالف الدولي في نهاية أيلول/ سبتمبر المقبل ستشهد اعتماداً كاملاً على القدرات الأمنية العراقية.
وأضاف أن الحكومة تسلمت كميات من الأسلحة من بعض الفصائل، وأنها ستواصل العمل مع الجهات التي تختار الانخراط في العملية السياسية، مؤكداً أنه لن يسمح لأي جهة بحمل السلاح خارج المؤسسات الرسمية.
وأوضح في تصريحاته أن "لا حاجة لوجود أي فصائل بعد نهاية أيلول/ سبتمبر"، مؤكداً أن قرار الدولة هو إنهاء ازدواجية السلاح.
وكانت واشنطن قد أوضحت قبل الزيارة أنها ستقيم موقفها بناء على "الأفعال والنتائج القابلة للقياس"، وليس على التعهدات السياسية فقط، في إشارة إلى أن ملف الفصائل سيكون معياراً أساسياً في تقييم العلاقة المقبلة مع بغداد.
وفي هذا السياق، يرى رئيس مركز التفكير السياسي وأستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، إحسان الشمري، أن هذا الملف سيكون محورياً في مباحثات واشنطن.
ويقول الشمري لوكالة شفق نيوز، إن التطورات الإقليمية ستدفع الولايات المتحدة إلى مزيد من التشدد تجاه النفوذ الإيراني والفصائل المسلحة، مشيراً إلى أن الإدارة الأميركية ستطلب خطوات سريعة من الزيدي.
ويضيف أن رئيس الوزراء يواجه ضغطاً متبادلاً بين واشنطن من جهة، والقوى السياسية والأجنحة المرتبطة بالفصائل من جهة أخرى، لافتاً إلى أن التحدي أمامه يتمثل في تحقيق توازن يسمح بتنفيذ برنامجه الحكومي.
ملف إيران
لم تغب إيران عن اللقاء، إذ وصف ترمب طهران بأنها تمثل "عبئاً كبيراً" على العراق، مشيراً إلى أن المنطقة تخلصت، بحسب تعبيره، من كيان كان يمثل مصدر ضغط.
كما تحدث عن الإجراءات الأميركية ضد إيران، والعقوبات التي تستهدفها، مؤكداً أن واشنطن منحت طهران فرصاً للتوصل إلى اتفاق لكنها ردت على ما وصفه بالتصعيد الإيراني.
وتزامنت هذه التصريحات مع إعلان ترمب أن إدارته تعمل على إدراج إيران وحزب الله اللبناني ضمن مشروع قانون عقوبات مرتبط بالعقوبات المفروضة على روسيا.
وفي هذا الجانب، يرى الباحث السياسي ومستشار رئيس الوزراء العراقي السابق، عائد الهلالي، أن البعد الإقليمي يمنح زيارة الزيدي أهمية أكبر من مجرد العلاقة الثنائية.
ويقول الهلالي لوكالة شفق نيوز، إن تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، إلى جانب التطورات في اليمن والبحر الأحمر، يجعل العراق أمام اختبار صعب لإدارة سياسة التوازن.
ويتابع حديثه أن بغداد مطالبة بحماية مصالحها مع الولايات المتحدة دون الانخراط في سياسة المحاور، محذراً من أن توسع المواجهة قد يرفع سقف المطالب الأميركية تجاه العراق.
جدل داخلي
في الداخل العراقي، واجهت الزيارة اعتراضات من بعض الفصائل والقوى السياسية التي حذرت من طبيعة العلاقة الجديدة مع واشنطن.
وفي هذا الصدد، يقول عبد الرحمن الجزائري القيادي في الإطار التنسيقي (الذي يجمع القوى السياسية الشيعية الحاكمة في العراق)، إن التصعيد في الخليج واستهداف القواعد الأميركية يزيد من تعقيد المشهد، مشيراً إلى أن بعض الفصائل لا تزال تعترض على حصر السلاح وعلى الانفتاح الاقتصادي والسياسي مع الولايات المتحدة.
ويضيف الجزائري لوكالة شفق نيوز، أن العلاقات الإيرانية–العراقية تمتلك امتدادات سياسية واقتصادية وعقائدية، وأن أي ضغوط أميركية على بغداد قد تؤثر على هذه العلاقات.
ويشير إلى أن مستقبل الوجود الأميركي في العراق لا يزال غير واضح، وأن الزيارة لا ترتبط فقط بالاقتصاد، بل بموقع العراق في التحولات الإقليمية الكبرى.
في المقابل، يرى المختص بالشأن القانوني والاتفاقيات الدولية، عباس العقابي، أن زيارة الزيدي لا تعني انحياز العراق إلى طرف على حساب آخر.
ويقول العقابي لوكالة شفق نيوز، إن الزيارة جاءت بناء على دعوة من الرئيس الأميركي، وإنها شملت ملفات متعددة تتعلق بالاقتصاد والطاقة والاستثمار والزراعة والصناعة، مؤكداً أن العراق يسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع واشنطن وطهران.
ويخلص في نهاية حديثه إلى أن ملف حصر السلاح جاء ضمن البرنامج الحكومي، وأن الهدف من التعاون مع الشركات الأميركية هو توفير بيئة استثمارية تحتاجها البلاد، خصوصاً مع محدودية الإمكانات المالية الداخلية.