على وقع احتجاج التجار.. واشنطن ترفع سقف الرسائل: ماذا يعني ذلك لإيران والمنطقة؟

على وقع احتجاج التجار.. واشنطن ترفع سقف الرسائل: ماذا يعني ذلك لإيران والمنطقة؟
2026-01-03T11:35:36+00:00

شفق نيوز- طهران/ واشنطن

في إيران، عادةً ما تُقاس السياسة بنبض الشارع، لكن هذه المرة قاسها سوق ايران الكبير في طهران أولاً، بدأت الاحتجاجات من قلب الاقتصاد لا من ساحات الجامعات كما جرت العادة، حين خرج تجار وأصحاب متاجر ورجال أعمال يشكون عملةً تنهار وأسعاراً تتبدّل أسرع من قدرة الناس على الفهم والشراء. 

كما يحدث كثيراً في هذه المنطقة عامة، انزلقت الشكوى المعيشية إلى مواجهة أوسع، تخللتها أعمال عنف واشتباكات وسقوط ضحايا، بينما دخلت واشنطن على الخط بتصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب عن "التدخل" إذا قُتل محتجون سلميون، لتتحول الأزمة من سؤال عن الخبز والتومان إلى اختبار جديد لحدود القوة والشرعية والردع.

ما بدأ كشكوى على "الفاتورة المتصاعدة" والتومان المنهار، اتسع بسرعة إلى شيء آخر خلال أيام، امتدت الاضطرابات إلى محافظات عدة، واندلعت مواجهات وأعمال عنف في بعض المدن، مع تقارير عن قتلى واعتقالات، في أشد موجة احتجاجات تشهدها البلاد منذ سنوات.

الاقتصاد في إيران ليس خلفية صامتة، بل يعتبر كمحرك يضغط على كل تفصيل في أجزاء الدولة ذات الـ92 مليوناً متعددة الأعراق، حيث فقدت العملة الإيرانية نحو نصف قيمتها تقريباً خلال عام 2025، بينما بلغ التضخم في كانون الأول نحو 42.5 بالمئة، وهي نسب تجعل "الرواتب" مجرد رقم متأخر عن السوق.

وفي الثامن من كانون الأول، انزلقت العملة إلى مستوى قياسي جديد يناهز 125 ألف تومان للدولار في السوق المفتوحة، قبل أن تتحدث تقارير لاحقة عن تراجعات أعمق مع اتساع الهلع في السوق وصلت ل145 الفاً لكل دولار، وهو أسوأ مستوى في تاريخ إيران الحديث.

هذا النوع من الانهيار لا يضرب الفقراء وحدهم. بل ينمد لمن يقف في منتصف السلسلة الاقتصادية، حيث تاجر يستورد، صاحب متجر يبيع بالجملة أو المفرد، ورجل أعمال يحتاج إلى سعر صرف يمكن توقّعه ولو أسبوعاً واحداً. في بلد تُقاس فيه الاستمرارية بمقدار القدرة على توفير الدولار، يصبح البازار مرآة فورية للسياسة والعقوبات والحرب.

العقوبات الأميركية ومسار الضغط الطويل

العديد من الإيرانيين يربطون هذه اللحظة بسلسلة قرارات بدأت منذ سنوات، مثلاً العملة الإيراني حامت حول 55 ألفاً للدولار في 2018، وهو العام الذي أعيدت فيه العقوبات الأميركية على نطاق واسع بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، ما قيّد صادرات النفط وإمكانية الوصول إلى العملات الصعبة.

ثم جاء التصعيد العسكري بين ايران وإسرائيل التي تُعرف باسم حرب الاثني عشر يوماً، فمنذ حزيران 2025 وما تلاها، ذكرت أفادت تقارير دولية بتوجه إيراني إلى تشديد القبضة الداخلية مع اعتقالات وإجراءات أمنية في مناطق حدودية، ولا سيما في المناطق الكوردية.

وفي الأسابيع والشهور التي تلت، لم يكن أثر الحرب أمنياً فقط، بل انعكست على الأسعار، وخلقت قلقاً في حركة التجارة، وخشية لدى المستثمرين المحليين من أن أي انفجار جديد قد يقطع سلاسل الإمداد أو يغلق طرقاً مالية إضافية.

وسط هذا المشهد، دخل العامل الأميركي كصوت مرتفع فوق ضجيج الشارع، الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدّد بالتدخل إذا قُتل محتجون سلميون، وذلك مع تصاعد تقارير العنف وسقوط قتلى في عدة مناطق.

الرد الإيراني جاء سريعاً على لسان مسؤولين بينهم علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، حذّروا من أن أي تدخل أميركي سيزعزع استقرار المنطقة.

على ذات النسق، علق المرشد الإيراني علي خامنئي، على الاحتجاجات الأخيرة، مؤكداً أن مطالب المتظاهرين "الاقتصادية" محقة، لكن "العناصر المثيرة للشغب فلا جدوى من الحوار معها، حيث يجب إيقافها عند حدّها".

كما لفت في سياق حديثه عن من وصفهم بـ"المحرّضين والمرتزقة التابعين للعدوّ، هم من يقفون خلف خلف التجّار، وردّدوا شعارات معادية للإسلام، ومعادية لإيران".

وتقول الشرطة الإيرانية، إن الاحتجاجات في البلاد تتسع وتزداد عنفا، محذرة في الوقت ذاته من "انتفاضة مسلحة"، بحسب وكالة أنباء "فارس".

لكن، داخل السلطة نفسها، ظهرت نبرتان، الرئيس مسعود بزشكيان أقر بإخفاقات حكومية ودعا إلى الحوار حول الأزمة الاقتصادية، في وقتٍ كان فيه مسؤولون آخرون يتحدثون بلغة التهديد والتحذير من "تدخل خارجي".

أما في واشنطن، فهنا تنقسم القراءة، مارك كيميت، وهو مساعد وزيري الدفاع والخارجية الأميركيين سابقاً، يضع سقفاً واقعياً لتأثير كلام ترمب.

ويقول لوكالة شفق نيوز: "آملاً أن تُفهم تصريحاته- ترمب- بوصفها دعمًا معنويًا لا التزامًا باستخدام القوة".

وهو نسق يذهب إليه روب أرليت، الجمهوري والمدير السابق لحملة ترمب في ديلاوير، حيث يقدمها كمسألة قيم، حرية التعبير مقابل نظام يقمع الأفراد، كما أشار لمراسل وكالة شفق نيوز من واشنطن.

لكن تود بيلت من جامعة جورج واشنطن يرى أن الأثر الأكثر ترجيحاً هو منح النظام ذريعة جاهزة، تصوير المحتجين كمتعاونين مع الغرب، مع تذكير ضمني بأن المحتجين لا يعوّلون كثيراً على دعم أميركي بسبب تجارب سابقة.

ثم يأتي تقييم إيفان ساشا شيهان الذي يلتقط المعنى النفسي أكثر من المعنى التنفيذي.

الدعم، كما أشار لمراسلنا: "إشارة للنخبة داخل النظام بأن واشنطن لم تعد تعتبر بقاء المنظومة الدينية أمراً مفروغاً منه أو قابلاً للإصلاح، لكن الاحتجاجات نفسها محلية المنشأ سببها الحرمان والقمع ووعود مكسورة".

ويضيف أن الخطر الحقيقي يظهر عندما تُشوَّه رسالة الحركة أو تُستبدل بأجندة خارجية لا تشبهها.

وعلى الطرف المقابل من الطاولة، يهاجم باولو فون شيراك رئيس معهد السياسة العالمية في واشنطن الفكرة من أساسها. في حديثه لشفق نيوز، يسأل بحدة عن معنى "التدخل" بلا أهداف واضحة، وبلا سياسة عملية، وما الذي يمكن ضربه عسكرياً إذا كانت المشكلة في الشارع والأسعار وليست في منشأة عسكرية.

وفي الداخل الإيراني، يرى سعيد شاوردي في تصريحات ترمب "دعماً، بل تدخلاً سافراً وتهديدات جوفاء".

ويذهب أبعد حين يقول إن "ترمب مكروه لدى الإيرانيين لأنه، في نظره، جزء من الألم الاقتصادي عبر الانسحاب من الاتفاق النووي والعقوبات"، محذراً من أن "تنفيذ التهديدات قد يطلق تصعيداً واسعاً في المنطقة واستهدافاً للمصالح الأميركية".

حتى الآن، تبدو الاحتجاجات ابنة الاقتصاد، لكنها تعيش في بيت السياسة والأمن، في وقت يدور الحديث عن وقوع ما لا يقل عن ستة قتلى في اضطرابات هي الأكثر دموية منذ ثلاث سنوات، مع اتساع رقعة الاحتجاجات.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon