"طقوس لا تغيب".. العادات الرمضانية في العراق إرثٌ متجدد عبر الأجيال

"طقوس لا تغيب".. العادات الرمضانية في العراق إرثٌ متجدد عبر الأجيال
2026-02-24T09:49:04+00:00

بغداد– شفق نيوز

حين يهلّ هلال شهر رمضان على العراق، لا تتبدّل مواعيد الطعام فحسب، بل يتغيّر إيقاع المدن والقلوب معاً، تهدأ الضوضاء قبيل الغروب، وتتعالى الدعوات من المآذن، وتنبض الأزقة القديمة بروحٍ من الألفة طالما ميّزت هذا البلد. 

وفي هذا الشهر، تتجدد قيم التكافل وتُبعث العادات القديمة بروح معاصرة، فتتغير الأشكال وتبقى الجذور راسخة من موائد الإفطار التي تمتد بين الجيران، إلى أياد خفية تسند عائلات متعففة، يظل رمضان في العراق حكاية تضامن حيّة، عنوانها أن الأصل ثابت مهما تبدلت الأزمنة.

وللعراقيين في رمضان ممارسات وسلوكيات كانت تصل إلى مستوى الواجب الديني، غير أنها تبدلت بسبب المتغيرات، وحلت معها بدائل لا تتغاير معها من حيث الجوهر.

عادات وتقاليد قديمة

ومن أبرز العادات التي كانت سائدة خلال سبعينيات القرن الماضي وما قبله، تكفّل الميسورين من أبناء المحلة الواحدة بالإنفاق على من لا يستطيع الجمع بين العمل والصيام، عبر منحه مبلغاً من المال يكفي عائلته مدة شهر ليتمكن من أداء فريضة الصوم.

ويصف بعض رجال الدين هذه العادة بأنها بمثابة الواجب الكفائي الذي يقع على عاتق الأغنياء والميسورين.

وبهذا الصدد يقول رجل الدين الشيخ عبد الرحمن الأزيرجاوي، إمام وخطيب بأحد مساجد بغداد، إن "الله يفتح للناس في هذا الشهر أبواب الرحمة والمغفرة، فالصيام فريضة على الأغنياء والفقراء على حد سواء"، مشيراً إلى أن "جوع الأغنياء خلال الصيام يدفعهم إلى تحسس جوع الفقراء ومعاناتهم، وهذه واحدة من فضائل الصوم الذي يهدف إلى تحقيق العدل والمساواة الاجتماعية".

ويضيف في حديثه لوكالة شفق نيوز: "ثمة في العراق، وخاصة في النجف وكربلاء وبعض المدن العراقية، استجابة واضحة من قبل الميسورين خلال الحقب الزمنية الماضية بالإنفاق على من يعمل بالأجر اليومي من أبناء المحلة ولا يستطيع الجمع بين العمل والصيام"، مؤكداً أن "مثل هذا العمل هو واجب شرعي كفائي، بمعنى أنه إذا تكفل به أحد الأغنياء بإعانة فقراء المحلة ودفع لهم حاجتهم مدة شهر يسقط عن البقية".

ويلفت الشيخ الأزيرجاوي إلى أن "هذا الإجراء لا يعد عملاً تطوعياً، بل هو واجب شرعي، وعلى الأغنياء الالتزام به مع إخوتهم من المعوزين الذين ليس بإمكانهم التوفيق بين العمل والصيام"، مشيراً إلى أن "الصدقات والأمور التطوعية الأخرى لا تجزي عن القيام بهذا العمل الذي يهدف إلى تطبيق فريضة الصيام ومساعدة من يحتاج إلى المساعدة المالية التي تمكنه من أداء هذه الفريضة".

وثمة، في هذا السياق، من يفطر في شهر رمضان لعدم قدرته على الصوم كونه مرتبطاً بعمل يومي، ولم يجد من يسد حاجته وحاجة عائلته عند الصيام.

التكافل الاجتماعي

يقول الحاج أبو منتظر الكعبي (64 عاماً)، إن "هناك أعمالاً يقوم بها بعض الناس لسد نفقات رب الأسرة الذي لا يقوى على الصيام مع العمل"، منوهاً إلى أن "الشرع الإسلامي يشترط على الميسورين مساعدة هؤلاء كي يتموا الصيام".

ويشير الكعبي، في حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن "هذه الظاهرة ما تزال موجودة ولكن بشكل آخر، فثمة من الأغنياء من يقوم بتوزيع مبالغ مالية على الفقراء والمتعففين، إضافة إلى توزيع مواد غذائية"، مضيفاً أن "التكافل الاجتماعي وإعانة المحتاجين في هذا الشهر الكريم من الأمور المحببة التي من شأنها تقوية الروابط والوشائج الاجتماعية".

وينوه إلى أهمية أن يلفت الخطباء ورجال الدين النظر إلى هذه المسألة المهمة باعتبارها واحدة من الأمور الشرعية الواجبة على الميسورين، وحثهم على البذل والعطاء في هذا الشهر الكريم الذي يحصلون لقاءه على أجر مضاعف.

ويمتاز سجل العراقيين بالعادات والتقاليد الأصيلة التي يبرز فيها التعاون والتكافل الاجتماعي بصورة مشرقة.

ومن تلك العادات قيام الميسورين من أبناء المحلة الواحدة بإعداد وجبات الإفطار إلى الجيران من ذوي الدخل المنخفض لإدخال السرور على تلك العوائل.

ويرى المواطن كاظم الموسوي في حديثه لوكالة شفق نيوز: "دأبنا منذ زمن طويل على إعداد وجبات الإفطار إلى العوائل المتعففة من أبناء المحلة".

ووفقاً للموسوي، فإنه يتم إخبار العائلة المتعففة منذ الصباح بعدم إعداد الفطور، لأن فطورهم سيأتيهم عند الغروب، مؤكداً أن هذه العائلة لن تقوم بالطبخ بعد أن ضمنت فطورها في المساء.

وفي الغالب تجري هذه العادة طوال شهر رمضان بشكل دوري بين الميسورين من أبناء المحلة، وأحياناً يتكفل البعض بإفطار أكثر من أسرة متعففة.

في غضون ذلك، يؤكد جعفر الركابي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "ليالي شهر رمضان كلها مباركة وأجرها مضاعف، وإفطار الصائمين فيها من الأعمال الحسنة".

ويتابع قائلاً إن "توزيع حصص من المواد الغذائية على العائلات المتعففة في الوقت الحاضر هو من الأعمال المهمة التي تأتي تواصلاً مع العادات والتقاليد العراقية القديمة التي ما تزال سارية". 

في رمضان ثمة العديد من الزوايا والمفاصل الحيوية التي يتفاعل معها العراقيون، ولهم في هذا الشهر عادات وسلوكيات ما تزال قائمة، قد يتغير شكلها، بيد أن جوهرها واحد، لأنها تمثل منظومة من القيم الاجتماعية والإنسانية التي تشيع التعاون بين أفراد المجتمع.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon