ضريبة الدواء.. ما تأثيرها على صحة العراقيين وجيوبهم؟

ضريبة الدواء.. ما تأثيرها على صحة العراقيين وجيوبهم؟
2026-01-07T07:44:33+00:00

شفق نيوز- بغداد

في بلد كالعراق يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الدواء، تتحول أي إشارة إلى تغيير في التعرفة الجمركية إلى مصدر قلق واسع لدى المرضى والصيادلة والجهات المعنية بالقطاع الصحي.

وبين مخاوف من قفزات محتملة في أسعار الأدوية وتطمينات حكومية تتحدث عن "تصحيح" لا "زيادة"، برز جدل بشأن مخاطر معاملة الدواء، بوصفه سلعة إنسانية، بالمنطق المالي ذاته الذي تُعامل به السلع الأخرى.

وتفجر الجدل الأخير مع بداية الحديث عن تطبيق جداول جديدة للتعرفة الجمركية اعتباراً من مطلع عام 2026، ما دفع نقابة صيادلة العراق إلى دق ناقوس الخطر، محذرة من تداعيات تمس استقرار السوق الدوائي ومنظومة التسعير.

في وقت تؤكد فيه الجهات الرسمية أن ما جرى تداوله لا يتعدى كونه "خطأً مطبعياً" جرى تضخيمه، وأن الأدوية الأساسية ما تزال مشمولة بالتسهيلات والإعفاءات القانونية.

"زيادة بعشرة أضعاف"

وفي هذا السياق، يصف نقيب صيادلة العراق، حيدر فؤاد الصائغ، الملف بـ"الحساس"، مؤكداً أن النقابة رصدت من خلال مناشدات الصيادلة المستوردين للأدوية والمواد الأولية الداخلة في الصناعة الدوائية، وجود زيادة واضحة في التعرفة الجمركية اعتباراً من 1 كانون الثاني/يناير 2026.

ويوضح الصائغ لوكالة شفق نيوز أن الزيادة ظهرت عبر ملء البيان المسبق في نظام "الاسيكودا"، حيث تبين تغيير التعرفة الجمركية من نصف 1% إلى 5%، استناداً إلى قرار مجلس الوزراء المرقم 957 لسنة 2025، ما يعني – بحسب وصفه – أن "التعرفة أصبحت أعلى بعشرة أضعاف من السابق".

ويشير إلى أن الجداول الملحقة بقرارات مجلس الوزراء الخاصة بالتعرفة الجمركية أظهرت هذا التغيير بشكل صريح، محذراً من أن ذلك سيقود حتماً إلى تداعيات مباشرة، في مقدمتها ارتفاع أسعار الأدوية على المواطنين.

ويبين الصائغ أن النقابة خاطبت رئيس الوزراء ووزير الصحة بشكل رسمي، مطالبة بالتوقف عن تغيير التعرفة الجمركية على الأدوية، لما لذلك من تأثير مباشر على منظومة التسعير الدوائية.

تضارب التفسيرات

في المقابل، يوضح نقيب الصيادلة أن هيئة الجمارك أكدت عدم وجود تغيير فعلي، معتبرة ما ورد في الجداول "خطأً مطبعياً"، وأن الجهات المعنية بانتظار تصحيح رسمي لهذه الجداول وتعميمها على الدوائر ذات العلاقة.

وأضاف أن النقابة تترقب أيضاً تحديث البيان المسبق في نظام "الاسيكودا" من قبل الهيئة العامة للضرائب، بما ينسجم مع التصحيح المرتقب، لتفادي أي إرباك في عملية الاستيراد.

ويشدد الصائغ على أن الدواء يُعد السلعة الوحيدة المسعرة رسمياً في العراق، وهو خاضع لتسعيرة دوائية مركزية، لافتاً إلى أن "التكلفة الاستيرادية وكلفة التصنيع تُعدان أساساً ثابتاً تُبنى عليه هذه التسعيرة، ولا يمكن تغييرهما من دون أن ينعكس ذلك مباشرة على السعر النهائي للمواطن".

ويؤكد أن أي تغيير في كلف الاستيراد أو التصنيع سيؤدي حتماً إلى زيادة أسعار الأدوية، ما يجعل النقابة "حريصة على بقاء هذه الكلف ثابتة وغير متغيرة، للحفاظ على استقرار منظومة التسعير وحماية المواطن".

قراءة اقتصادية

من جانبه، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي، نوار السعدي، أن ما يُتداول بشأن فرض أو زيادة الضرائب والرسوم على الأدوية يثير "قلقاً مشروعاً"، لأن الدواء ليس سلعة عادية بل حاجة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.

ويقول السعدي لوكالة شفق نيوز إنه "حتى في حال نفي المبالغة في نسب الزيادة، فإن أي رسم إضافي يُفرض على استيراد الأدوية سينعكس عملياً على أسعار البيع"، لافتاً إلى أن العراق يعتمد شبه كلياً على الاستيراد، وأن كلفة الدواء مرتبطة بالدولار.

ويضيف أن السياسات المالية الرشيدة يجب أن تميّز بين السلع الكمالية والسلع الحيوية، محذراً من أن أي معالجة غير مدروسة لهذا الملف "ستؤدي إلى تحميل المرضى أعباءً إضافية، وتفاقم الضغوط المعيشية، من دون أن تحقق إصلاحاً اقتصادياً حقيقياً أو استقراراً في السوق الدوائي".

صوت المواطن

وبعيداً عن لغة القرارات والتوضيحات، يعيش المرضى هواجس يومية مرتبطة بسعر الدواء وتوفره، علي، وهو مواطن عراقي يبلغ من العمر 54 عاماً من بغداد، يختصر هذه المعاناة بالقول إن "أكثر ما يقلقني اليوم هو ارتفاع أسعار الأدوية".

ويضيف أبو حسين لوكالة شفق نيوز، "أعاني من أمراض تتطلب علاجاً مستمراً، كنت أستطيع سابقاً توفير الدواء بصعوبة، أما الآن فأشعر بثقل أكبر بسبب ارتفاع الأسعار بشكل عام".

ويتابع: "في كل مرة أدخل إلى الصيدلية، أسأل عن السعر بقلق، أحياناً اضطر لتأجيل شراء بعض الأدوية أو البحث عن بدائل أقل جودة، فقط لأن الدخل لم يعد يكفي"، مؤكداً أن هذا الواقع لا يخصه وحده، بل يشمل آلاف العوائل، ولا سيما كبار السن وذوي الدخل المحدود.

ويختم حديثه بأمل موجه إلى الجهات المعنية: "أتمنى أن يُنظر إلى أوضاع المواطنين بعين الرحمة، وأن يُعاد النظر بأي ضرائب تُفرض على الأدوية، لأن الدواء ليس رفاهية بل حاجة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها".

توضيحات رسمية

وفي خضم الجدل، أصدرت الهيئة العامة للجمارك العراقية توضيحاً أكدت فيه أن ما جرى تداوله بشأن "زيادة الرسوم الجمركية على الأدوية إلى عشرة أضعاف" لا يعكس الواقع التشريعي أو التنفيذي بدقة، مشيرة إلى أن نسبة 0.5% على الأدوية ما تزال نافذة ولم يطرأ عليها أي تعديل، وأن ما نُشر خلاف ذلك يُعد "خطأً مطبعياً غير مقصود".

وأوضحت الهيئة في بيان أن التعديل اقتصر على المستلزمات الطبية، حيث جرى رفع التعرفة من 4% إلى 5% فقط، في إطار توحيد وتصحيح نسب كانت تُطبق سابقاً بتفاوت غير مبرر، مؤكدة أن الأدوية الأساسية والمستلزمات ذات الطابع الإنساني ما تزال خاضعة للتسهيلات والإعفاءات القانونية.

ورغم هذه التطمينات، ترى نقابة الصيادلة أن أي تغيير – مهما كان توصيفه – في كلف الاستيراد، سينعكس على أسعار البيع وعلى استقرار السوق الدوائي، محذرة من اضطرابات محتملة في سلاسل الإمداد وتوفر بعض الأصناف.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon