ضرائب تتسع مقابل خدمات سيئة.. العراقيون يدفعون أكثر مما يحصلون
شفق نيوز- بغداد
بين رسوم الصحة والتعليم وجبايات الكهرباء، ومدفوعات المرور وتسجيل المركبات وصولاً إلى الخدمات الجامعية، تتزايد شكاوى العراقيين من اتساع دائرة الضرائب والرسوم الحكومية، في وقت يقولون إن مستوى الخدمات العامة لا يوازي ما يدفعونه، ما يثير تساؤلات متجددة بشأن عدالة النظام الضريبي في البلاد.
يرى مواطنون أن الرسوم المفروضة على مختلف الخدمات تحولت إلى عبء إضافي على دخل الأسر، خصوصاً مع استمرار تراجع الخدمات الأساسية في قطاعات الصحة والتعليم والبنى التحتية، وسط دعوات لإعادة النظر بالسياسات المالية بما يحقق التوازن بين الإيرادات الحكومية وحقوق المواطنين.
وفي هذا الصدد، يقول عضو لجنة الخدمات النيابية محمد الحسناوي، لوكالة شفق نيوز، إن مجلس النواب وضع ملف النظام الضريبي ضمن أولويات الدورة التشريعية الجديدة، مؤكداً وجود توجه لتشريع قانون جديد يحقق العدالة الضريبية ويحمي الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
ويضيف أن النظام الحالي "بات يحمّل المواطنين كلفة العجز المالي الذي تعاني منه الدولة"، مشيراً إلى أن عدداً من النواب قدموا ملاحظات تدعو إلى إصلاح شامل للسياسة الضريبية، بما يحد من تضخم رؤوس الأموال ويضمن توزيعاً أكثر عدالة للأعباء المالية.
وتشمل الرسوم الحالية استقطاعات شهرية من رواتب الموظفين، من بينها استقطاع يبلغ 25 ألف دينار ضمن القطاع الصحي، فضلاً عن رسوم أخرى تتعلق بالخدمات الحكومية المختلفة.
رسوم بلا خدمات
يفيد المواطن عباس كاظم بأن ما يدفعه المواطن من ضرائب ورسوم يجب أن يقابله مستوى مناسب من الخدمات.
ويبين كاظم، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن العائلات تضطر إلى اللجوء للمستشفيات الأهلية عند المرض بسبب ضعف الخدمات الصحية الحكومية، فيما تتكرر المشكلة في قطاعات أخرى، أبرزها الكهرباء، حيث تصل أجور الجباية في بعض المنازل إلى نحو 200 ألف دينار شهرياً، رغم أن ساعات تجهيز الكهرباء الوطنية لا تتجاوز أربع أو خمس ساعات يومياً.
من جانبها، تشير المواطنة أزهار الساعدي، إلى أن "كل شيء أصبح يخضع للرسوم، من الغذاء والدواء إلى أبسط المعاملات الحكومية".
وتنبه في حديثها لوكالة شفق نيوز، إلى أن إنجاز أي معاملة يتطلب غالباً توفر مبالغ مالية في البطاقة المصرفية قد تصل إلى 100 ألف دينار لتسديد الرسوم المختلفة، مشيرة إلى أن "راتب الموظف يخرج من حسابه ليعود إلى الدولة في اليوم نفسه بسبب كثرة الاستقطاعات والرسوم".
وفي قطاع النقل، يشكو أصحاب المركبات من ارتفاع رسوم التسجيل والإجازات.
ويقول المواطن عقيل إن تسجيل المركبات الصغيرة يكلف نحو 30 ألف دينار، بينما ترتفع الرسوم إلى 300 ألف دينار للمركبات الكبيرة، إضافة إلى استيفاء رسوم الطرق والجسور، رغم استمرار تدهور البنية التحتية وامتلاء الشوارع بالحفر والمطبات.
ويلفت عقيل في حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن حملات تطوعية بدأت بإصلاح بعض الطرق بعد تزايد الحوادث، في مؤشر على اتساع الفجوة بين الرسوم المحصلة ومستوى الخدمات المقدمة.
أعباء إضافية
وفي قطاع التعليم، تؤكد الطالبة الجامعية ريهام العبودي أن الرسوم الدراسية والبدلات المالية في الجامعات الحكومية باتت تشكل عبئاً على الطلبة وأسرهم.
وتخبر العبودي، وكالة شفق نيوز، أن الجامعات تستوفي رسوماً تحت مسميات مختلفة، فضلاً عن إلزام الطلبة باستخدام تطبيقات إلكترونية مدفوعة للحصول على نتائج الامتحانات، ما يزيد الأعباء المالية دون تحسين ملموس في الخدمات التعليمية.
وتشير إلى أن كثيراً من الطلبة باتوا يلجؤون إلى الحصول على نتائجهم عبر معارف داخل الجامعات بدلاً من الاشتراك في التطبيقات المدفوعة.
بين الدستور والواقع
وينص الدستور العراقي في مواده (30) و(31) و(34) على كفالة الدولة للضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والتعليم، باعتبارها حقوقاً أساسية للمواطنين، وهو ما يدفع كثيرين إلى المطالبة بمواءمة الرسوم الحكومية مع مستوى الخدمات المقدمة.
من جهته، يقول عضو اللجنة العليا للإصلاح الضريبي خالد الجابري، لوكالة شفق نيوز، إن الضرائب والرسوم الجمركية ليست مجرد أدوات لزيادة الإيرادات، بل تمثل ركناً أساسياً في إدارة الاقتصاد وتحفيز الاستثمار وحماية الإنتاج الوطني.
ويضيف أن الدول المتقدمة تستخدم الأنظمة الضريبية كوسيلة لدعم النمو الاقتصادي، بينما ما زالت تُدار في العراق بمنهج تقليدي جعلها تبدو عبئاً على المواطنين والقطاع الخاص.
ويختم الجابري، حديثه بالإشارة إلى أن تحديث النظامين الضريبي والجمركي، والانتقال إلى الإدارة الرقمية والرقابة الحديثة، يمثل ضرورة لتعزيز الإيرادات غير النفطية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشدداً على أن "الاقتصاد الناجح لا يقوم على زيادة الضرائب، بل على إدارة ذكية تحقق النمو قبل الإيرادات".