أرض العراق في يومها العالمي.. جفاف ونزوح جراء التغير المناخي

أرض العراق في يومها العالمي.. جفاف ونزوح جراء التغير المناخي جفاف بحيرة ساوة بعدسة شفق نيوز
2026-04-22T17:29:09+00:00

شفق نيوز- النجف/ المثنى/ كربلاء

في وقت يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للأرض الذي يصادف 22 نيسان/ أبريل من كل عام، تواجه محافظات الوسط والجنوب العراقي تحديات بيئية متصاعدة فرضتها التغيرات المناخية، التي لم تعد ظاهرة علمية بعيدة، بل واقعاً يومياً انعكس بشكل مباشر على مصادر المياه والزراعة والاستقرار السكاني والبيئة الطبيعية.

وينطلق اليوم الدولي للأرض 2026 تحت شعار "قوتنا، كوكبنا"؛ في إشارة إلى رسالة مفادها بأن التغيرات البيئية ليست مسؤولية الحكومات فقط، بل أيضاً مسؤولية الأفراد والمجتمعات؛ إذ لديهم تأثيرات حقيقية من خلال أفعالهم اليومية.

وفي هذا اليوم العالمي، يشدد مختصون في العراق على ضرورة أن تكون حماية البيئة أولوية وطنية تتكامل فيها السياسات البيئية والمائية والزراعية، لضمان مستقبل أكثر استقراراً للأرض والإنسان في البلاد.

ويرى المختصون أن ما تشهده محافظات الوسط والجنوب يمثل نموذجاً واضحاً لتأثيرات التغيرات المناخية، حيث تتزامن أزمة المياه مع التصحر والهجرة السكانية وتراجع التنوع البيئي.

بحيرة ساوة

وتعد بحيرة ساوة في محافظة المثنى شاهداً حياً لتأثيرات الجفاف والتغيرات المناخية التي تحولت إلى أرض جرداء خالية من الطيور والأسماك بعد أن كانت وجهة سياحية يقصدها الزائرون من داخل العراق وخارجه.

وفي هذا السياق، يقول مدير بيئة محافظة المثنى، أمير كاظم العارضي، إن جفاف البحيرة جاء نتيجة عوامل عدة، أبرزها التغيرات المناخية وحفر الآبار العشوائية المحيطة بها، فضلاً عن الاستنزاف الكبير للمياه الجوفية.

ويوضح العارضي لوكالة شفق نيوز، أن البحيرة تأثرت بسحب كميات كبيرة من المياه من منطقة المملحة الواقعة على بعد نحو 10 كيلومترات، والمرتبطة بخط الخزان المائي الدمام الذي يمثل المصدر الرئيس لتغذيتها.

ويضيف أن انتشار الآبار الجوفية الخاصة بمعامل الإسمنت ومقالع الطابوق والعقود الزراعية أدى إلى استنزاف المخزون المائي تدريجياً وصولاً إلى الجفاف شبه الكامل.

ويبيّن أن بحيرة ساوة، المدرجة ضمن اتفاقية رامسار الدولية لحماية التنوع البيولوجي والمصنفة كمحمية طبيعية، تأثرت بنسبة تقارب 80% من آثار التغيرات المناخية، مؤكداً وجود تحركات حكومية وبيئية لإعادة إحيائها واستعادة توازنها الطبيعي.

النزوح المناخي

ولم تتوقف التداعيات المناخية عند حدود البيئة، بل امتدت إلى الواقع السكاني، حيث بدأت ظاهرة "النزوح المناخي" بالظهور في بعض المحافظات العراقية.

وفي هذا الجانب، يقول مدير شعبة التغيرات المناخية في دائرة بيئة النجف، حيدر فليح حسن، إن موقع المحافظة المحاذي للبادية يجعلها أكثر عرضة للعواصف الترابية والظواهر المناخية القاسية.

ويشير حسن خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن عام 2025 شهد مشكلات بيئية واضحة بسبب ركود المياه في نهر الفرات وشح الإطلاقات المائية، ما أدى إلى توسع رقعة التصحر وزيادة الضغوط على الأراضي الزراعية.

ويبيّن أن النجف استقبلت حتى عام 2026 نحو 742 عائلة نازحة مناخياً من محافظات (الديوانية والمثنى وذي قار) نتيجة الجفاف وتراجع مصادر المعيشة الزراعية، فيما غادرت بعض العائلات البدوية مناطقها باتجاه محافظات أقل تصحراً بحثاً عن ظروف أفضل.

وتظهر البيانات البيئية حجم التحدي، إذ تبلغ مساحة الأراضي الزراعية في النجف نحو 449 ألف دونم، مقابل أكثر من 10 ملايين دونم مهددة بالتصحر، إضافة إلى تأثر أكثر من 369 ألف دونم بالتملح والتغدق، وخروج قرابة 100 ألف دونم من الخطة الزراعية خلال عام 2025 بسبب الجفاف.

مواجهة التصحر

وفي مقابل هذه التحديات، برزت مبادرات زراعية تهدف إلى تقليل آثار التغيرات المناخية وتعزيز الاستدامة البيئية، منها تنفيذ حملات تشجير واسعة تضمنت غرس أكثر من 6 آلاف شتلة خلال الشهر الأخير في عدد من مناطق محافظة النجف، بحسب مدير التشجير والمشاتل في مديرية زراعة النجف، حيدر الصفار.

ويقول الصفار لوكالة شفق نيوز، إن المديرية تعتمد اختيار أنواع نباتية مدروسة تتحمل ملوحة التربة وقلة المياه، ولا تؤثر على البنى التحتية، فضلاً عن مساهمتها في تحسين التهوية وتقليل الرطوبة وخفض درجات الحرارة، مع التركيز على الأشجار ذات التيجان العريضة لتوفير أكبر مساحة ظل ممكنة.

ويضيف أن المديرية اعتمدت أصنافاً عالمية من الأشجار جرى اختيارها وفق دراسات علمية مستفيضة وبإشراف خبراء متخصصين في مجال الزراعة وإكثار الشتلات الملائمة للبيئة المحلية.

ويوضح الصفار أن الخطة الحالية تتضمن استخدام تقنيات الري الحديثة وربط الأحزمة الخضراء والحدائق العامة لإنشاء ممرات بيولوجية تسهم في إعادة التوازن البيئي داخل المدينة.

ويبيّن أن مديرية التشجير تستهدف، بحلول عام 2030، خفض درجات الحرارة في مركز المدينة والمناطق الحضرية بمعدل يصل إلى سبع درجات مئوية، وجعل النجف نموذجاً وطنياً في التخطيط البيئي المستدام.

مزرعة فدك

ومن أبرز النماذج الزراعية الحديثة الداعمة للتنمية المستدامة في العراق يبرز مشروع مزرعة فدك للنخيل التابعة للعتبة الحسينية في محافظة كربلاء.

وفي هذا السياق، يوضح مدير المزرعة، فائز أبو المعالي، أن مزرعة فدك التي تأسست عام 2015 وبدأت أعمال الزراعة فيها عام 2016 غرب مدينة كربلاء قرب بحيرة الرزازة، تمكنت من زراعة أكثر من 30 ألف نخلة ضمن خطة لاستصلاح الأراضي الصحراوية وزيادة الرقعة الخضراء.

ويضيف أبو المعالي لوكالة شفق نيوز، أن المشروع يعتمد منظومات ري بالتنقيط تُدار إلكترونياً لترشيد استهلاك المياه، فضلاً عن استخدام الأسمدة العضوية والمبيدات الأحيائية لإنتاج زراعي صديق للبيئة.

ويلفت إلى أن المزرعة تضم بنكاً وراثياً يحتوي على أكثر من 90 صنفاً من النخيل العراقي والعربي، في خطوة تهدف للحفاظ على الإرث الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي.

التغير المناخي

ويضرب التغير المناخي العراق بقوة خلال الأعوام القليلة الماضية وبصورة غير معهودة، حيث يعد خامس الدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية العالمية وفق وزارة البيئة العراقية والأمم المتحدة.

ويفقد العراق سنوياً 100 ألف دونم (الدونم 1000م مربع)، جراء التصحر، كما أن أزمة المياه تسببت بانخفاض الأراضي الزراعية إلى 50% وفق تصريحات رسمية.

ووفقاً لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" التابعة للأمم المتحدة، فقد باتت مساحات الغابات في العراق لا تشكل سوى 8250 كيلومتراً مربعاً، أي ما نسبته 2% من إجمالي مساحة البلاد.

وكان مركز الروابط للدراسات الإستراتيجية أشار في وقت سابق إلى أن 90% من مساحة العراق تقع ضمن منطقة المناخ الجاف وشبه الجاف، وأن ارتفاع درجات الحرارة في الصيف يصل أحياناً إلى أكثر من 50 درجة مئوية، فيما تصل نسبة انخفاض الأمطار بين 5 – 15 سم، متأثرة بنسبة التبخر العالية.

وفي تموز/ يوليو 2025، أعلن مرصد "العراق الأخضر" المتخصص بشؤون البيئة، أن 60% من أراضي البلاد تعرضت للتصحر، فيما تحولت أكثر من 70% من الأراضي الزراعية إلى أراضٍ غير منتجة.

وبيّن المرصد، أن محافظة ذي قار سجلت أعلى معدلات النزوح المرتبط بالتصحر على مستوى العراق.

وأكد المرصد أن العراق بحاجة إلى زراعة 15 مليار شجرة لمجابهة التغير المناخي والتصحر، كما اعتبر أن العاصمة بغداد باتت غير صالحة للعيش نتيجة التلوث بالغازات فيها.

ويحتل العراق المرتبة الثانية بأكثر دول العالم تلوثاً، فيما جاءت العاصمة بغداد بالمرتبة 13 من بين المدن العالمية خلال عام 2022، وذلك وفق مسح عالمي سنوي أجرته شركة سويسرية لتصنيع أجهزة تنقية الهواء.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon