حلم يتلاشى بمرور الزمن.. غلاء العقارات يحرم عراقيين من امتلاك منزل
شفق نيوز- بغداد
في بلدٍ تتسع فيه الفجوة بين أسعار العقارات ورواتب الموظفين الحكوميين والعاملين في القطاع الخاص، لم يعد امتلاك منزل في العراق مجرد خطوة نحو الاستقرار، بل أصبح حلماً قد يحتاج إلى عقود زمنية من العمل والادخار، في ظل ارتفاع أسعار المنازل والأراضي السكنية، وتزايد الأعباء المعيشية التي تستنزف الجزء الأكبر من موارد الأسر.
وبين موظف يحاول اقتطاع جزء من راتبه، وشاب يبدأ حياته العملية من دون مدخرات، تتسع المسافة بين ما يكسبه العراقي وما يحتاج إليه لشراء منزل يؤويه.
وفي وقت تتزايد فيه صعوبة الحصول على سكن مستقل، تتجه الأنظار إلى حجم العجز السكني في البلاد، وقدرة المشاريع والمبادرات الحكومية على توفير خيارات تتناسب مع إمكانات المواطنين المالية.
حلم شراء منزل
ويقول الخبير الاقتصادي محمد الحسني، في حديث لوكالة شفق نيوز، إن المواطن العراقي الذي يبلغ راتبه الشهري مليون دينار ويدخر 250 ألف دينار منه، يحتاج إلى 50 عاماً لشراء منزل تبلغ كلفته 150 مليون دينار، في حال ادخر 250 ألف دينار شهرياً، وهو منزل متواضع في منطقة سكنية بعيدة عن مركز بغداد أو في أطرافها، شريطة بقاء سعره ثابتاً طوال تلك المدة.
ويشير إلى أن امتلاك منزل وسط بغداد "حلم" أما في المناطق السكنية الراقية، مثل الجادرية وزيونة والمنصور، فهو محال على أصحاب الرواتب المحدودة، في ظل تجاوز أسعار بعض العقارات المليار دينار، فيما تُسعّر عقارات أخرى بالدولار.
ويضيف أن أسعار العقارات في العراق تواصل الارتفاع سنوياً بفعل زيادة عدد السكان ومحدودية الوحدات السكنية المتاحة، فضلاً عن ارتفاع أسعار الوحدات التي تنفذها الدولة، الأمر الذي يزيد صعوبة امتلاك منزل، لا سيما بالنسبة إلى الموظفين والشباب من أصحاب الدخل المحدود.
أسعار العقارات تتباين
وفي سوق العقارات، لا تتوقف الفوارق عند اختلاف الأسعار بين المحافظات أو المناطق، بل تمتد إلى الأحياء داخل المدينة الواحدة، إذ تلعب طبيعة المنطقة وموقع العقار ومساحته دوراً أساسياً في تحديد قيمته.
ويقول صاحب مكتب عقارات، فضل عدم ذكر اسمه، في حديث لوكالة شفق نيوز، إن أسعار المنازل في بغداد تختلف من منطقة إلى أخرى، بل تتباين حتى داخل المنطقة الواحدة، مبيناً أن مناطق المنصور واليرموك وأجزاء من الكاظمية والكرادة والأعظمية والسيدية تشهد ارتفاعاً كبيراً في أسعار العقارات، إذ تُباع بعض المنازل بالدولار.
ويبين أن سعر المتر المربع في المنازل الصغيرة قد يكون أعلى منه في العقارات الأكبر مساحة، مشيراً إلى أن أسعار بعض العقارات المقامة على أراضٍ زراعية في مناطق من الدورة تجاوزت 200 مليون دينار لمساحة 100 متر مربع.
ويلفت إلى أن الأسعار تنخفض في المناطق الشعبية وأطراف بغداد، حيث تقل أسعار بعض المنازل عن 80 مليون دينار، فيما تتراوح أسعار منازل أخرى بين 80 و100 مليون دينار، بحسب الموقع ومواصفات العقار.
ويشير إلى أن أسعار الشقق السكنية ضمن المشاريع الاستثمارية التي تنفذها الشركات وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من 500 مليون دينار للشقة الواحدة، ما يجعلها بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المواطنين.
ويرى صاحب المكتب أن محدودية الأراضي والمنازل المتاحة في عدد من مناطق بغداد دفعت بعض المالكين إلى تقسيم المنازل إلى وحدات سكنية أصغر، لتلبية احتياجات الأسر الجديدة التي لا تمتلك القدرة المالية على شراء عقارات مستقلة، مبيناً أن بعض هذه الوحدات قسمت مساحاتها بين 50 و100 متر مربع لمساحات تبلغ 500 و1000 سابقاً.
الراتب لا يسمح بالادخار
ولا تنعكس أزمة السكن على الراغبين في شراء المنازل فحسب، بل تمتد إلى أسر تضطر إلى البقاء في منازل ذويها أو الانتقال إلى الإيجار، في ظل عدم قدرتها على تحمل كلفة شراء عقار.
ويقول عصام حميد، وهو مدرس في إحدى المدارس الثانوية ومن سكان منطقة الكرادة في بغداد، في حديث لوكالة شفق نيوز إنه كان يرغب في شراء منزل لأسرته بسبب ضيق المنزل الذي يسكنه مع والديه، إلا أن راتبه الشهري الذي يزيد قليلاً على مليون دينار لا يكفي لتغطية متطلبات أسرته المكونة من أربعة أفراد ومصاريف المعيشة، ما حال دون قدرته على الادخار لشراء منزل.
ويضيف أن هذا الوضع دفعه إلى استئجار منزل في منطقة الزعفرانية، وهي من المناطق الشعبية في بغداد، بـ300 ألف دينار شهرياً، ليصبح الإيجار عبئاً إضافياً على دخله المحدود، ويقلل من قدرته على توفير الأموال اللازمة لشراء عقار.
أما حيدر إسماعيل، وهو نجار متزوج، فما يزال يسكن مع والديه وأربعة من أشقائه، اثنان منهم متزوجان، مبيناً أن المنزل، رغم بلوغ مساحته 200 متر مربع، بات ضيقاً على أفراد الأسرة مع تزايد عددهم.
ويوضح إسماعيل في حديث لوكالة شفق نيوز أنه لا يستطيع شراء منزل مستقل أو حتى استئجار منزل آخر بسبب ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات، مشيراً إلى أن تراجع عمل النجارة نتيجة منافسة المنتجات المستوردة الأرخص سعراً أثر في دخله، وزاد من صعوبة توفير المال اللازم لتأمين سكن مستقل.
عجز يتجاوز مليوني وحدة سكنية
وفي مواجهة أزمة السكن، يشرح المتحدث باسم وزارة الإعمار والإسكان، نبيل الصفار، في حديث لوكالة شفق نيوز، نتائج التعداد السكاني الأخير الذي أُجري عام 2024 وأظهر أن العجز السكني الحالي في العراق يبلغ نحو 2.3 مليون وحدة سكنية.
ويؤكد الصفار أن الوزارة تعمل، من خلال هيئة تنفيذ المدن السكنية، على إنشاء ثلاث مدن كبرى، اثنتان منها في بغداد، هما مدينة الورد في النهروان ومدينة الجواهري في أبو غريب، إضافة إلى مدينة الغزلاني في الموصل، بهدف زيادة المعروض السكني والمساهمة في تقليص الفجوة بين العرض والطلب.
ويضيف أن الحكومة أعلنت مبادرة المليون قطعة أرض سكنية، التي تستهدف توزيع الأراضي على الأسر المستحقة التي لا تمتلك مسكناً أو قطعة أرض بصورة مستقلة، متوقعاً أن تسهم المبادرة في تخفيف العجز السكني بصورة كبيرة.
ويشير إلى أن الحكومة أعلنت مؤخراً عن مبادرة لإنشاء 15 مدينة حضرية واستثمارية وإدارية جديدة في مختلف المحافظات، تتولى الهيئة الوطنية للاستثمار الإشراف على تنفيذها.
ويبيّن أن أهمية هذه المدن لا تقتصر على التوسع العمراني، بل تشمل إعادة تنظيم التنمية في المحافظات، وتخفيف الضغط عن مراكز المدن، وتوفير فرص العمل والاستثمار، فضلاً عن معالجة جزء من العجز السكني الحالي.
ويؤكد أن تكامل المدن الاستثمارية الجديدة مع المدن السكنية التي تنفذها وزارة الإعمار والإسكان ومبادرة المليون قطعة أرض السكنية "مبادرة وطن" من شأنه أن يسهم في تخفيف الضغط السكاني والخدمي عن مراكز المحافظات.
زيادة التخصيصات المالية
وفي سياق دعم تمويل السكن، قرر البنك المركزي العراقي، في 18 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، زيادة التخصيصات المالية المخصصة لشراء الوحدات السكنية عبر المصرف العقاري بمقدار تريليون دينار، ليرتفع إجمالي المبلغ المخصص إلى ثلاثة تريليونات دينار، مقارنة بتريليون دينار سابقاً.
وتهدف الزيادة إلى تلبية طلبات المواطنين الراغبين في شراء وحدات سكنية داخل المجمعات السكنية، مع الإبقاء على الشروط ذاتها الواردة في التخصيص السابق، بحسب وثيقة صادرة عن البنك المركزي.
وتفتح هذه الزيادة باباً إضافياً لتمويل شراء المساكن، لكن أثرها في تخفيف أزمة السكن سيبقى مرتبطاً بآليات الإقراض وشروط الاستفادة منه، ومدى قدرة المواطنين على تسديد الأقساط، في ظل ارتفاع أسعار العقارات وتراجع القدرة الشرائية لشرائح واسعة من أصحاب الدخول المحدودة.
بين الخطط الحكومية وقدرة المواطن
وتكشف هذه المعطيات عن فجوة واضحة بين كلفة السكن ودخول شريحة واسعة من العراقيين؛ فحتى في حال افتراض ثبات الأسعار، يحتاج موظف يدخر ربع مليون دينار شهرياً إلى نصف قرن لشراء منزل بقيمة 150 مليون دينار، بينما يواجه في الواقع ارتفاعاً مستمراً في الأسعار والتزامات معيشية لا تترك له مجالاً واسعاً للادخار.
وفي المقابل، تراهن الحكومة على المدن السكنية الجديدة وتوزيع الأراضي والتوسع في المشاريع الاستثمارية لتقليص العجز، غير أن معالجة الأزمة لا ترتبط بعدد المشاريع والأراضي المعلنة وحده، بل بمدى تنفيذها وتوفير وحدات سكنية بأسعار تتناسب مع دخول المواطنين، إلى جانب تطوير خيارات التمويل السكني.