حكومة الزيدي "المنقوصة" تصطدم بمعادلة حكم تحت تأثير السلاح
شفق نيوز- واشنطن/ بغداد
دخلت حكومة رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي المشهد السياسي من بوابة الثقة البرلمانية الناقصة، بعدما منح مجلس النواب الثقة لـ14 وزيراً فقط، فيما بقيت تسع حقائب سيادية وخدمية معلقة، في مقدمتها الداخلية والدفاع والتخطيط.
هذا التأجيل لم يُقرأ بوصفه إجراءً تقنياً أو خلافاً عادياً على توزيع المناصب، بل كمؤشر على تعقيدات أعمق ترتبط بإعادة رسم التوازنات داخل النظام السياسي العراقي، خصوصاً في ما يتعلق بموقع الفصائل المسلحة ومستقبل نفوذها داخل الدولة.
ويأتي ذلك، في لحظة إقليمية ودولية حساسة، تتزايد فيها الضغوط الأميركية على بغداد، بالتزامن مع تحولات داخلية تشهد تنافساً متصاعداً بين قوى الإطار التنسيقي، ومحاولات لإنتاج صيغة حكم قادرة على امتصاص الضغوط الخارجية دون تفجير التوازنات الداخلية.
رسائل سياسية مبكرة
ومنذ الجلسة الأولى لمنح الثقة، بدا واضحاً أن الحكومة الجديدة لم تُحسم بالكامل، فالحقائب المؤجلة ليست وزارات هامشية، بل تمثل مفاصل القرار الأمني والإداري والاقتصادي، ما يعكس استمرار الخلافات بين القوى السياسية بشأن إدارتها.
وتكتسب وزارتا الداخلية والدفاع أهمية استثنائية، لأنهما ترتبطان مباشرة بملف السلاح والفصائل المسلحة، وهو الملف الأكثر حساسية في العلاقة بين بغداد وواشنطن، وكذلك في توازنات القوى داخل البيت الشيعي نفسه.
وبحسب المعطيات السياسية، فإن توزيع الوزارات جرى وفق موازنات دقيقة بين المكونات، حيث حصل الكورد على الخارجية والعدل والبيئة، بينما نال السنة خمس حقائب، في حين احتفظ الإطار التنسيقي بوزارات اقتصادية وخدمية وازنة، بينها النفط والمالية والكهرباء، غير أن هذا التوزيع لم ينهِ الخلافات، بل أرجأ بعضها إلى جولات تفاوض لاحقة.
الفصائل ومعادلة الحكم
التحول الأبرز في المشهد العراقي بعد عام 2003 تمثل في انتقال الفصائل المسلحة من دورها الأمني والعسكري إلى موقع الشريك السياسي المؤثر في صناعة القرار، هذه الجماعات، التي تعزز نفوذها خلال الحرب ضد تنظيم داعش، باتت تمتلك حضوراً سياسياً وبرلمانياً واقتصادياً يصعب تجاوزه.
وفي هذا السياق، يقول الباحث في الشأن السياسي رمضان البدران، لوكالة شفق نيوز إن ملف الفصائل في العراق يبدأ كأزمة داخلية، لكنه في الوقت نفسه امتداد لأزمة إقليمية ودولية أوسع، موضحاً أن ارتباط هذه الجماعات بإيران يجعلها جزءاً من شبكة التوتر بين طهران وواشنطن.
ويضيف أن الفصائل لم تعد مجرد امتداد خارجي، بل أصبحت تمتلك تأثيراً مباشراً على قرارات الدولة والحكومات، معتبراً أن النظام السياسي بعد 2003، خصوصاً خلال حكومتي نوري المالكي بين 2006 و2014، أسس عملياً لشرعنة وجود هذه الجماعات باعتبارها قوة دفاعية عن النظام السياسي.
ويطرح البدران أسئلة تعكس جوهر الإشكالية الحالية: لماذا جرى إنشاء تشكيلات موازية للجيش؟ ولماذا يُطلب منها الآن التراجع بعد سنوات من المشاركة في حماية النظام؟
وبينما تعتبر إيران أن هذه الفصائل ساهمت في حماية الدولة، ترى واشنطن أنها تمثل خروجاً على مبدأ احتكار الدولة للسلاح.
الإطار وإدارة التوازن
يرى مراقبون أن اختيار علي الزيدي لم يكن نتيجة تفوق سياسي داخل الإطار التنسيقي، بقدر ما كان تعبيراً عن الحاجة إلى شخصية توافقية قادرة على إدارة التوازنات المعقدة بين أطرافه.
ووفق هذا الإطار، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة إكستر البريطانية هيثم الهيتي، لوكالة شفق نيوز إن الزيدي هو نقطة توافق داخل الإطار التنسيقي، ما يجعله أقرب إلى شخصية توافقية لا صدامية.
ويذكر أن القوى المنضوية داخل الإطار أصبحت تمتلك نفوذاً متقارباً يمنع هيمنة طرف واحد، لذلك جرى اختيار شخصية “يمكن إدارتها سياسياً”، على حد وصفه.
ويعتقد الهيتي، أن خيار المواجهة المباشرة مع الفصائل يبدو مستبعداً في المرحلة الحالية، مرجحاً التوجه نحو “تأطير قانوني” لهذه الجماعات داخل مؤسسات الدولة، باعتباره حلاً وسطياً يوازن بين الضغوط الأميركية والواقع السياسي الداخلي.
هذا الطرح يعكس توجهاً متنامياً داخل بعض أوساط السلطة يقوم على دمج النفوذ المسلح ضمن أطر قانونية وإدارية، بدلاً من محاولة تفكيكه بصورة مباشرة قد تؤدي إلى صدام داخلي واسع.
تفاهمات مؤجلة
ورغم اكتمال الحكومة دستورياً، فإن كثيراً من المؤشرات تدل على أنها لم تكتمل سياسياً بعد. فالتأجيل الواسع للحقائب الحساسة يعكس وجود تفاهمات لم تُحسم أو ربما لم يُعلن عنها حتى الآن.
وفي هذا السياق، يقول الباحث السياسي المقرب من الإطار التنسيقي عماد المسافر لوكالة شفق نيوز إن تشكيل الحكومات العراقية منذ عام 2005 يقوم على تفاهمات معلنة وغير معلنة تتغير وفق المرحلة والتوازنات الإقليمية.
ويضيف أن تأجيل بعض الوزارات إلى ما بعد عطلة عيد الأضحى “قد يكون جزءاً من اتفاق سياسي أكبر لم يُعلن بعد، مشيراً إلى أن استحقاقات بعض القوى، ومنها تحالف صادقون، ستُعالج تدريجياً عبر جولات تفاوض لاحقة.
ويكشف هذا الحديث أن الحكومة الجديدة ما تزال في طور إعادة تركيب التحالفات الداخلية، وأن الثقة البرلمانية لم تكن سوى خطوة أولى ضمن عملية تفاوض مستمرة.
ضغط ومناورة
بالتوازي مع المشهد الداخلي، تواجه حكومة الزيدي اختباراً خارجياً شديد الحساسية، فالولايات المتحدة كثفت خلال الأشهر الماضية ضغوطها على بغداد، عبر عقوبات استهدفت شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة، إلى جانب تصريحات متكررة تؤكد أن حصر السلاح بيد الدولة شرط أساسي لتطوير العلاقات الثنائية.
كما تتحدث مصادر سياسية عراقية عن وجود فيتو أميركي "غير معلن" على مشاركة بعض الفصائل المسلحة في الحكومة، في حين أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن تعاملها مع الحكومة الجديدة "سيُبنى على الأفعال لا الأقوال".
هذا الموقف يضع بغداد أمام معادلة صعبة: فمن جهة تحتاج الحكومة إلى الحفاظ على تماسك تحالفاتها الداخلية، ومن جهة أخرى لا تستطيع تجاهل الضغوط الأميركية المرتبطة بالدعم الاقتصادي والأمني والعلاقات الدولية.
ويبدو أن حكومة الزيدي تحاول، في مرحلتها الأولى، كسب الوقت عبر تأجيل الحسم في الملفات الأكثر حساسية، بانتظار اتضاح ملامح التفاهمات الإقليمية والدولية.
وتكشف الولادة المتعثرة لحكومة علي الزيدي أن العراق ما يزال يعيش أزمة بنيوية تتجاوز مجرد تشكيل الحكومات أو توزيع المناصب، فالصراع الحقيقي يدور حول شكل الدولة نفسها، وحدود نفوذ الفصائل المسلحة، وطبيعة العلاقة بين بغداد والقوى الإقليمية والدولية المؤثرة.
وبين ضغوط واشنطن، وحسابات طهران، وتوازنات الإطار التنسيقي، يجد رئيس الوزراء الجديد نفسه أمام اختبار معقد: إما إنتاج تسوية سياسية جديدة تعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل، أو الدخول في مرحلة جديدة من الانسداد السياسي المؤجل.
وفي ظل استمرار تأجيل الوزارات السيادية، تبدو الحكومة العراقية الحالية أقرب إلى حكومة تحت التفاوض منها إلى سلطة مستقرة حسمت خياراتها النهائية.