تمثيل النساء في الحكومة العراقية.. بين الدستور وانعدام الفرص السياسية

تمثيل النساء في الحكومة العراقية.. بين الدستور وانعدام الفرص السياسية نساء عراقيات في ندوة سياسية / أرشيف
2026-05-16T20:46:08+00:00

شفق نيوز- بغداد

منذ عام 2003، شهد العراق حضوراً نسائياً متدرجاً داخل الحكومات المتعاقبة، عبر تولي عدد من النساء حقائب وزارية ومناصب تنفيذية في قطاعات مهمة كالصحة والبيئة والهجرة وحقوق الإنسان.

إلا أن هذا الحضور، رغم رمزيته وأهميته، بقي محدوداً قياساً بحجم الدور المجتمعي والسياسي الذي تؤديه المرأة العراقية، وبقي خاضعاً لمعادلات التوافقات الحزبية والمحاصصة السياسية أكثر من ارتباطه بمبدأ تكافؤ الفرص.

ومع تشكيل الحكومات المتعاقبة، عاد الجدل بشأن تمثيل النساء داخل السلطة التنفيذية، خصوصاً مع تراجع عدد الوزيرات في بعض الكابينات الحكومية، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات تتعلق بمدى جدية القوى السياسية في تمكين المرأة، وما إذا كانت المشاركة النسوية ما تزال تُعامل بوصفها استحقاقاً شكلياً لا يعكس حضوراً فعلياً في مراكز صنع القرار.

الحضور النسوي

شهدت الحكومات العراقية بعد عام 2003 مشاركة نسائية متزايدة نسبياً، حيث تولت عدة نساء حقائب وزارية في مجالات متعددة.

وتُعد نسرين برواري أول امرأة تتولى منصباً وزارياً بعد التغيير السياسي، إذ شغلت وزارة البلديات والأشغال العامة بين عامي 2003 و2006.

وفي عام 2004، تولت وجدان ميخائيل سالم وزارة حقوق الإنسان حتى عام 2005، فيما شغلت نرمين عثمان وزارة البيئة بين 2004 و2005، قبل أن تتولى وزارة حقوق الإنسان من 2005 إلى 2010.

كما تولت سها الشيخلي وزارة الهجرة والمهجرين بين 2005 و2006، بينما شغلت نوال السامرائي منصب وزيرة الدولة لشؤون المرأة بين 2010 و2011، وذلك في عهد حكومة نوري المالكي.

وتولت أيضا ابتهال الزيدي وزارة العمل والشؤون الاجتماعية للفترة من 2010 إلى 2014، كما شغلت هدى سجاد منصب وزيرة دولة بين 2011 و2014.

أما في حكومة حيدر العبادي، فقد أدارت عديلة حمود وزارة الصحة من 2014 إلى 2018، فيما تولت شيماء الحيالي وزارة التربية لفترة قصيرة عام 2017.

وفي حكومة محمد شياع السوداني (2022–2026) شهدت حضوراً نسوياً تمثل بثلاث وزيرات، هن طيف سامي محمد لوزارة المالية، وهام الياسري لوزارة الاتصالات، وإيفان فائق يعقوب لوزارة الهجرة والمهجرين.

إلا أن هذا التمثيل شهد تراجعاً ملحوظاً في الكابينة الوزارية الجزئية لرئيس الوزراء الحالي علي فالح الزيدي، والتي نالت الثقة لـ 14 وزيراً فقط، حيث اقتصر الوجود النسائي فيها حتى الآن على وزيرة واحدة، وهي سروة عبد الواحد كوزيرة للبيئة.

قراءة قانونية

وفي هذا السياق، يوضح القانوني محمد جمعة لوكالة شفق نيوز، أن الدستور العراقي نص صراحة على تخصيص كوتا لتمثيل النساء في مجلس النواب، إلا أنه لم يحدد نسبة معينة لتمثيلهن في مجلس الوزراء، وعليه فمن الناحية القانونية البحتة لا يوجد نص دستوري أو قانوني يفرض نسبة محددة لمشاركة النساء في التشكيلة الوزارية.

لكن جمعة يشير في الوقت نفسه إلى أن المبادئ العامة التي يقوم عليها الدستور العراقي هي مبادئ المساواة والعدالة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص، وجميعها منصوص عليها في مواد دستورية ملزمة، ما يقتضي من رئيس مجلس الوزراء مراعاة التمثيل العادل للنساء عند تشكيل الحكومة بما يعكس روح الدستور ومبادئه. 

ويكشف هذا الطرح عن إشكالية قانونية وسياسية في آن واحد فغياب النص الإلزامي الخاص بتمثيل النساء وزارياً يترك الباب مفتوحاً أمام التفسيرات السياسية، فيما يبقى الالتزام الحقيقي مرتبطاً بإرادة القوى السياسية ومدى قناعتها بأهمية الشراكة النسوية في الحكم.

التوافقات السياسية

من جهتها، تقول النائبة إنعام علاء الدين لوكالة شفق نيوز، إن تمثيل المرأة العراقية في الحكومة والحقائب الوزارية لم يكن بالمستوى المطلوب، خصوصاً لنساء الوسط والجنوب مشيرة إلى وجود نساء برلمانيات كفوئات يستحققن التمثيل، لكنها لا تعتبر الأمر ظلماً بقدر ما هو نتيجة للتوافقات والرؤى السياسية بين الكتل.

وتضيف علاء الدين أن الحاجة اليوم قائمة لوجود امرأة تمثل نساء الجنوب والفرات الأوسط داخل التشكيلة الوزارية، موضحة أن سبب غياب هذا التمثيل قد يكون مرتبطاً بطريقة ترشيح الكتل السياسية، إذ إن رئيس الوزراء عادة ما يطلب من الكتل تقديم مرشحيها، وربما لم تُطرح أسماء نسوية بالشكل الكافي.

وتبين أن الخلل قد يكون من الأحزاب التي لم تمنح المرأة فرصة حقيقية للترشيح، وليس بالضرورة من رئاسة الوزراء فقط، مؤكدة أن المرأة العراقية تمتلك القدرة والكفاءة لتولي أي وزارة، ولا يوجد منصب وزاري لا تستطيع النجاح فيه.

وفي ما يتعلق بعمل المرأة داخل البرلمان، أكدت علاء الدين أن البرلمانيات يمارسن دورهن التشريعي من خلال اللجان النيابية، ولكل نائبة الحق في إبداء الرأي بشأن مختلف القوانين، سواء ضمن لجنتها أو خارجها.

وتشير بصفتها عضواً في لجنة العمل، إلى أن اللجنة هيّأت قانونين لإدراجهما بالقراءة الأولى، هما قانون الأحداث وقانون العمل، إضافة إلى عقد استضافات واجتماعات مع الجهات المعنية مثل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ودوائر الرعاية والحماية الاجتماعية.

كما توضح أن البرلمانيات بدأن فعلياً بأخذ دورهن داخل مجلس النواب عبر التشريعات والإجراءات البرلمانية، لكن موضوع التمثيل الوزاري ما يزال غير مكتمل، لذلك "لا يمكن الحديث عن وجود ظلم واضح قبل استكمال الكابينة الوزارية".

المشاركة السياسية

ولا ترتبط أزمة تمثيل النساء في الحكومات العراقية بعدد الوزيرات فقط، بل بطبيعة النظام السياسي وآليات صناعة القرار داخل الأحزاب.

فمعظم القوى السياسية ما تزال تعتمد هياكل تقليدية تمنح الرجال الحصة الأكبر في التفاوض والقيادة والترشيح للمناصب التنفيذية، ما يحد من وصول النساء إلى مواقع النفوذ الحقيقي.

ورغم أن نظام الكوتا البرلمانية أتاح حضوراً نسائياً واضحاً داخل مجلس النواب، فإن هذا الحضور لم ينعكس بالقدر نفسه داخل السلطة التنفيذية، حيث تبقى الترشيحات الوزارية رهينة التوافقات الحزبية والصفقات السياسية.

ويرى مختصون أن تمكين المرأة سياسياً لا يتحقق عبر زيادة الأعداد فقط، بل من خلال توفير بيئة سياسية عادلة تسمح للنساء بالمنافسة الحقيقية، وتمنحهن فرصاً متساوية للوصول إلى المناصب العليا بعيداً عن الاعتبارات الشكلية.

 

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon