"تصعيد منضبط".. واشنطن وطهران تعيدان حسابات "الردع"
شفق نيوز- بغداد/ طهران/ عمّان/ القاهرة
تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران فترة توتر متزايد، في ظل أزمات مستمرة وتنافس قوي على النفوذ في الشرق الأوسط، ورغم ارتفاع مستوى الخطاب السياسي والعسكري، فإن قراءة المؤشرات الميدانية والاستراتيجية تكشف أن المنطقة تقف حتى الآن عند حدود التصعيد المنضبط أكثر من اقترابها من حرب شاملة.
وتتفق غالبية القراءات السياسية على أن واشنطن وطهران تدركان الكلفة الباهظة لأي مواجهة مباشرة، فالحرب الشاملة لا تعني خسائر عسكرية فقط، بل تحمل تداعيات اقتصادية وأمنية قد تمتد إلى مجمل الإقليم، بل إلى الأسواق الدولية وطرق الطاقة والتجارة البحرية.
تصعيد محسوب
وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي مجاشع التميمي، إن "العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران تتجه نحو تصعيد محسوب لا نحو حرب شاملة، إذ كلا الطرفين يدرك كلفة المواجهة المباشرة، لذلك يفضلان إدارة الصراع بأدوات غير تقليدية".
وبحسب ما يوضح التميمي لوكالة شفق نيوز، فإن "العلاقات بين واشنطن وطهران لا تنحصر بالتوتر السياسي فقط، بل قد تمتد إلى ضربات محدودة تستهدف مواقع عسكرية أو لوجستية بشكل دقيق بهدف الردع دون الانزلاق لحرب مفتوحة".
ويتابع "بالإضافة إلى استخدام الهجمات السيبرانية التي تستهدف البنى التحتية الحساسة مثل الكهرباء والاتصالات"، مضيفاً: "كما يعتمد الطرفان على أطراف ثالثة في العراق وسوريا والخليج لتنفيذ عمليات أو ممارسة ضغط ميداني، ما يمنحهما هامش إنكار وتقليل الكلفة السياسية".
ويرى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في هذه الأدوات بحد ذاتها، بل في احتمالية سوء التقدير أو خطأ ميداني قد يحول اشتباكاً محدوداً إلى تصعيد واسع.
رفض الحرب
وفي قراءة أوسع لموازين القوى، تبدو البيئة الدولية والإقليمية أقل ميلاً إلى دعم حرب جديدة، فالإدارة الأميركية تواجه ضغوطاً داخلية، كما أن دول المنطقة باتت أكثر حساسية تجاه تداعيات أي انفجار عسكري واسع، خصوصاً في ظل هشاشة أسواق الطاقة والممرات البحرية.
وفي هذا الصدد، يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة عمّان بالأردن، حازم عياد، أن الكفة تميل لصالح القوى الرافضة للعودة إلى الحرب والعمليات العسكرية المكثفة ضد إيران.
ويحظى هذا الموقف بدعم داخل الولايات المتحدة، سواء على المستوى الشعبي أو داخل مؤسسات الدولة، كما يوجد توجه دولي وإقليمي رافض للعودة إلى الحرب، لما قد تسببه من أضرار اقتصادية وأمنية على دول المنطقة والمنظومة الدولية، إضافة إلى كلفتها العالية على الولايات المتحدة، وفقاً عياد.
ويضيف الأكاديمي لوكالة شفق نيوز: "لذلك الكفة لا تميل لصالح العودة إلى العمليات العسكرية الواسعة، وإنما قد يكون هناك تركيز أكبر على الحصار البحري باعتبار أن كلفته أقل، وقد تكون هناك عمليات استخبارية ومحاولات لزعزعة الاستقرار عبر الضغط الاقتصادي والاحتجاجات.
ورقة هرمز
وأحد أهم محددات الأزمة يتمثل في البعد البحري، فمضيق هرمز لا يمثل مجرد ممر مائي، بل ورقة ردع استراتيجية ذات تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي، وأي تصعيد واسع في هذه المنطقة قد يرفع منسوب المخاطر الدولية بصورة غير مسبوقة، بحسب عياد.
ويشير إلى أن إيران، وإن كانت تستعد لأسوأ السيناريوهات، فإن رهاناتها الأساسية تتمركز عند مضيق هرمز والحصار البحري، وهذا يعني أن المواجهة المحتملة، إن حدثت، قد تتخذ طابعاً بحرياً محدوداً أو مناوشات مرتبطة بحماية الملاحة وخطوط الإمداد، أكثر من كونها حرباً برية أو حملة عسكرية شاملة.
كما أن التوتر الأميركي - الإيراني لا ينفصل عن التحولات الجارية في البيئة الخليجية، خصوصاً ما يتعلق بمراجعة أنماط التعاون الأمني الإقليمي، فالتقديرات الراهنة تشير إلى تراجع واضح في منسوب الثقة بفاعلية بعض التحالفات الأمنية التقليدية.
وفي هذا الجانب، يقول أستاذ الفكر الصهيوني بجامعة الإسكندرية في مصر، أحمد فؤاد، إن ما يحدث هو توجيه للجانب الخليجي لأهداف لا تخدم سوى الجانب الإسرائيلي، وعلى هذا أعتقد أن هناك مراجعات كبيرة، وأنه لا يوجد موقف خليجي موحد.
ويضيف فؤاد لوكالة شفق نيوز، أن التعاون الأمني مرفوض شعبياً، ولا يمكن أن يكون ذا جدوى في ضوء فشل الجانب الإسرائيلي في تأمين حدود عام 1948.
والحديث عن إرسال دفاع جوي إلى الخليج أو المشاركة في التأمين يأتي في ظل استعانة الداخل الإسرائيلي بوحدات أميركية، مع إخفاق هذه المنظومات في اعتراض جزء من الصواريخ الإيرانية والمسيرات، يقول فؤاد.
من جهة أخرى، تشير المعطيات إلى أن الرؤية الأميركية تجاه إيران باتت أكثر واقعية من حيث الأهداف، فإسقاط النظام الإيراني لم يعد خياراً مطروحاً بصورة عملية، في ظل وعورة التضاريس الإيرانية وتماسك مؤسسات الدولة.
استراتيجية الاستنزاف
وبهذا الصدد، يقول مدير مركز الرؤية الجديدة للدراسات والإعلام في طهران، مهدي عزيزي، إن احتمالات التصعيد قائمة، لكن الحكومة الأميركية وصلت إلى قناعة بأنه لا يمكن إسقاط النظام الإيراني بسبب تماسك القيادة والجغرافيا.
ويضيف عزيزي لوكالة شفق نيوز، أن أميركا وإسرائيل لا تستطيعان إسقاط النظام الإيراني، لذلك تسعيان إلى إضعاف قدرات إيران واقتصادها، كما أن الظروف في أميركا لا تسمح للرئيس الأميركي دونالد ترمب بخوض حرب جديدة مع إيران.
ويعني ذلك، أن استراتيجية المرحلة الحالية تتجه نحو إدارة الاستنزاف أكثر من حسم الصراع؛ أي إضعاف القدرات، وتقليص هامش الحركة، وزيادة الضغوط الاقتصادية والسياسية دون الدخول في مواجهة مباشرة، وفق ما خلصت إليه تحليلات المتحدثين للمشهد.
ويتفق مع قراءاتهم، ما نقلته وكالة "رويترز" عن مسؤول في البيت الأبيض، السبت، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب اقترح تمديد حصار مفروض على إيران لعدة أشهر إضافية، بهدف خنق صادراتها النفطية ودفعها إلى توقيع اتفاق جديد.
وأتى ذلك بعد يوم من إعلان ترمب "انتهاء" الأعمال العدائية التي اندلعت في 28 شباط/ فبراير 2026 ضد إيران، وذلك في رسالة إلى الكونغرس.