تتعدى البروتوكول.. قراءات سورية خاصة لزيارة رئيس الوزراء العراقي
جانب من اجتماعات الوفد العراقي مع المسؤولين السوريين في دمشق امس
شفق نيوز- بغداد/ دمشق
يرى محللون وباحثون سوريون، أن زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق، تفتح المجال أمام مرحلة جديدة من العلاقات السورية العراقية، تقوم على تعزيز التعاون الأمني وتوسيع المصالح الاقتصادية، ولا سيما في مجالات تصدير النفط والنقل والتجارة.
وترأس الزيدي والرئيس السوري أحمد الشرع، أمس الأربعاء، في دمشق، مباحثات موسعة بين وفدي البلدين، تناولت تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون الاقتصادي والاجتماعي والأمني، إلى جانب تنسيق المواقف إزاء القضايا الإقليمية والدولية.
وبحسب المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي، بحث الجانبان تصدير النفط العراقي عبر خط بانياس، وزيادة التبادل التجاري، وتطوير التعاون الزراعي بما يحقق التكامل الغذائي والاقتصادي. كما أكدا أهمية العمل المشترك لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
نحو شراكة استراتيجية
وفي هذا السياق، يقول الباحث السوري في مركز "الفرات" للدراسات لزكين إبراهيم، إن الزيارة تمثل تحولاً مهماً في مسار العلاقات بين بغداد ودمشق، إذ تنقلها من التنسيق الأمني المحدود وإدارة المخاطر المشتركة إلى محاولة بناء شراكة أوسع تستند إلى المصالح الاقتصادية والأمنية المباشرة.
ويضيف إبراهيم لوكالة شفق نيوز، أن البلدين يواجهان تحديات متشابهة، في مقدمتها أمن الحدود ومكافحة خلايا تنظيم "داعش" والتهريب وحركة الجماعات المسلحة، ما يجعل إنشاء آليات دائمة لتبادل المعلومات وتنسيق الإجراءات الأمنية أساساً واقعياً لأي تعاون طويل الأمد.
ويشير الباحث السوري، إلى أن أهمية الزيارة لا تقتصر على الملفات الأمنية، بل تمتد إلى مشاريع اقتصادية استراتيجية، من بينها تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية وميناء بانياس، وإعادة تفعيل خطوط النقل والطاقة، وتعزيز التعاون الزراعي.
ويرى الباحث، أن تنفيذ هذه المشاريع من شأنه أن يمنح العراق مساراً إضافياً للوصول إلى البحر المتوسط، فيما يتيح لسوريا استعادة دور اقتصادي وإقليمي بوصفها ممراً يربط العراق بشرق المتوسط والأسواق الخارجية.
رهانات سياسية وأمنية
من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية السوري صلاح قيراطة، أن الزيارة تحمل دلالات استراتيجية تتجاوز التواصل الدبلوماسي المباشر، وتمهد لتأسيس تفاهمات أوسع تقوم على احترام السيادة والمصالح المشتركة.
ويشير قيراطة خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن اللقاءات المباشرة بين قيادتي البلدين تتيح فتح قنوات أكثر فاعلية للتنسيق السياسي والدبلوماسي، وتطوير مواقف مشتركة إزاء الملفات الإقليمية والدولية، بما قد يعزز فرص الاستقرار في المنطقة.
ويضع الملف الأمني في مقدمة أولويات التعاون، خصوصاً ما يتعلق بضبط الحدود والمعابر الرسمية ومنع التسلل والتهريب وملاحقة الجماعات الإرهابية، مؤكداً أن أمن العراق وسوريا مترابط، وأن الاضطرابات في أحد البلدين تنعكس على الآخر.
أما اقتصادياً، فيرى أن تطوير المنافذ الحدودية وتسهيل حركة التجارة وتبادل البيانات الجمركية إلكترونياً، إلى جانب تعزيز التعاون النفطي وإعادة تفعيل خطوط الأنابيب والنقل، تمثل خطوات أساسية لترجمة التقارب السياسي إلى نتائج ملموسة.
ويعتبر قيراطة أن الزيارة تشكل محطة انتقالية من مرحلة الترقب والاتصالات التمهيدية إلى محاولة تأسيس شراكة عملية ومستدامة بين بغداد ودمشق.
منفذ إلى المتوسط
وفي السياق ذاته، يصف الكاتب والصحفي السوري أحمد كامل، المصالح الاقتصادية المشتركة بأنها أحد أبرز العوامل التي يمكن أن تدفع التقارب بين البلدين إلى الأمام، معرباً عن أمله في نجاح الشراكة الأمنية والاقتصادية الجديدة.
ويقول كامل لوكالة شفق نيوز، إن العراق يحتاج إلى تنويع مسارات تصدير النفط ونقل البضائع، وإن سوريا يمكن أن توفر له منفذاً نحو البحر المتوسط، بما يفتح المجال أمام وصول المنتجات العراقية إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية.
ويضيف أن مرور النفط والبضائع العراقية عبر الأراضي السورية يمكن أن يحقق مكاسب للطرفين، إذ يمنح العراق خيارات إضافية للنقل والتجارة، فيما تستفيد سوريا من تنشيط اقتصادها وتعزيز موقعها في حركة التجارة الإقليمية.
ويشدد كامل على أن نجاح هذا المسار يتطلب الابتعاد عن الشعارات السياسية والتركيز على المصالح العملية المشتركة، معتبراً أن التعاون الاقتصادي يمكن أن يشكل أساساً أكثر استدامة للعلاقات الثنائية.
ولا يقتصر هذا التعاون، بحسب الكاتب السوري، على الاقتصاد، بل يشمل أيضاً أمن الحدود الممتدة بين البلدين، التي يصفها بأنها واسعة وصعبة، ما يجعل ضبطها بجهود منفردة أمراً بالغ التعقيد.
ويستعيد كامل تجربة شاهدها قبل نحو 20 عاماً، حين اطلع مع وفد من الصحفيين والدبلوماسيين على طبيعة الحدود السورية العراقية، مشيراً إلى أن الدوريات والإجراءات المنفردة لم تكن كافية لمنع التجاوزات، بسبب اتساع المنطقة وصعوبة مراقبتها.
ويرى في الختام أن تنسيق الجهود الأمنية بين بغداد ودمشق من شأنه رفع فاعلية مراقبة الحدود، في ظل التحديات المشتركة والمصالح المتبادلة.
وكان الزيدي قد أجرى، الأربعاء، زيارة إلى دمشق استمرت يوماً واحداً، عقد خلالها مباحثات مع الرئيس السوري أحمد الشرع تناولت تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني، إلى جانب بحث تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية وميناء بانياس، وزيادة التبادل التجاري والتعاون الزراعي.
وفي جانب آخر من الزيارة، أعلن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي تبرع الزيدي بمبلغ 10 ملايين دولار من حسابه الشخصي، خُصص خمسة ملايين منها لتلبية احتياجات مرقد السيدة زينب، وخمسة ملايين أخرى لتأهيل الجامع الأموي في دمشق، وذلك خلال زيارته الموقعين.