بين الأنفال والفيليين.. حارسة الذاكرة الكوردية تلاحق آثار نصف مليون ضحية

بين الأنفال والفيليين.. حارسة الذاكرة الكوردية تلاحق آثار نصف مليون ضحية
2026-06-06T19:41:39+00:00

شفق نيوز- أربيل

في ركن من معرض الكتاب الكوردي في أربيل، لا تبدو الوثائق التي تعرضها الباحثة والكاتبة عدالت عمر مجرد أوراق قديمة نجت من أرشيف الأنظمة والحروب، بل بالنسبة إليها، بقايا ذاكرة معلقة بين الموت والانتظار، وشهادات صامتة على قرن من العنف المنظم الذي حاول أن يمحو شعباً من الجغرافيا، ثم من السجلات، ثم من الذاكرة العامة.

منذ ثلاثة عقود، تقضي عمر وقتها بين ملفات صفراء وصور باهتة وأسماء مبتورة ومقابر لم تُفتح بعد، وتقول إن عملها لم يعد بحثاً أكاديمياً فقط، بل صار مهمة أخلاقية، أقرب إلى حراسة ذاكرة جماعية مهددة بالنسيان.

وتقول عمر لوكالة شفق نيوز، على هامش مشاركتها في المعرض، إن الشعب الكوردي تعرض خلال المئة عام الماضية إلى أشكال متعددة من الإبادة، لم تقتصر على القتل المباشر، بل شملت أيضاً الإبادة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، ومحاولات تفكيك الهوية ومحو الوجود من السجلات الرسمية.

وتضيف أن الأنظمة الديكتاتورية التي حكمت العراق لم ترتكب جرائمها في الظلام دائماً، بل وثقت كثيراً منها في قرارات ومحاضر وأوامر إدارية، وهو ما جعل الأرشيف، في مفارقة قاسية، شاهداً على الجريمة وأداة لملاحقة حقيقتها في آن واحد.

"هذه أمانة تاريخية"، تقول عمر، وهي تشير إلى الوثائق المعروضة أمامها: "هم وثقوا الجرائم بدقة، ونحن نحاول اليوم أن نكشفها للعالم".

ذاكرة مثقلة بالأرقام

في سردية عدالت عمر التي تستعرضها، لا تأتي الأرقام كإحصاءات فقط، بل كأبواب مفتوحة على عائلات كاملة انقطعت أخبارها، وقرى أزيلت، وأجساد لم يعثر عليها ذووها حتى اليوم.

تقول الباحثة إن حصيلة الضحايا الكورد، في الملفات التي عملت على توثيقها للفترة الممتدة من عام 1968 حتى سقوط النظام السابق عام 2003، تتجاوز نصف مليون شخص، بين قتلى ومغيبين وضحايا حملات قمع وتهجير ومصادرة.

وتضع في مقدمة هذه الملفات حملات الأنفال، التي تورد عمر أن ضحاياها بلغوا 182 ألف شخص، وتُعد الأنفال، وفق توصيفات حقوقية دولية ومحاكم عراقية لاحقة، واحدة من أكثر صفحات العنف الجماعي دموية في تاريخ العراق الحديث، إذ استهدفت مناطق واسعة من كوردستان خلال ثمانينيات القرن الماضي. 

وتتوقف عمر عند مأساة حلبجة، التي تحولت في 16 آذار 1988 إلى رمز عالمي لاستخدام السلاح الكيميائي ضد المدنيين. وتشير إلى سقوط نحو خمسة آلاف شخص في القصف الكيميائي، فضلاً عن آلاف المصابين الذين حملوا آثار الهجوم في أجسادهم وذاكرة عائلاتهم.

لكن ما يجعل الملف أكثر قسوة، بحسب عمر، أن بعض فصوله لم تُفتح بعد، فهي تتحدث عن 63 مقبرة جماعية مرتبطة بحلبجة لم تُفتح حتى الآن، خشية وجود مخلفات كيميائية أو مواد سامة، وهو ما يبقي جزءاً من الحقيقة محاصراً تحت الأرض.

الفيليون والاختفاء الذي لم يترك قبوراً

بين كل الملفات التي عملت عليها، تبدو قضية الكورد الفيليين أكثرها إيلاماً وتعقيداً بالنسبة إلى عدالت عمر، فهنا لا تتعلق المأساة، كما تقول، بقرار تهجير أو حملة اعتقال فقط، بل بمحاولة شاملة لتفكيك جماعة كاملة عبر مصادرة الجنسية والمال والهوية والعائلة والذاكرة.

وتقول عمر إن استهداف الكورد الفيليين بلغ ذروته بين عامي 1980 و1990، حين تحولت حملات النظام السابق إلى سياسة منظمة للاقتلاع، كما تشير إلى تهجير نحو 750 ألف شخص، ومصادرة أموال وممتلكات عائلات واسعة، واعتقال آلاف الشبان الذين لم يظهر لهم أثر حتى اليوم.

وتضيف أن الحملة بدأت، في إحدى مراحلها، باعتقال نحو 400 تاجر كوردي فيلي ومصادرة أموالهم، بسبب نفوذهم الاقتصادي في بغداد ومناطق أخرى، قبل أن تتوسع لتطاول بنية المجتمع الفيلي نفسها.

وتقول عمر إن النظام السابق لم يكتف بإسقاط الجنسية والتهجير، بل استخدم أدوات اجتماعية لتفكيك الأسر، من بينها قرارات وإجراءات كانت تشجع على الطلاق والانفصال مقابل امتيازات أو مكافآت، في محاولة لضرب الروابط الداخلية لهذه الشريحة.

وتبقى المعضلة الكبرى، بحسب الباحثة، أن الفيليين لا يملكون حتى اليوم مقابر واضحة لضحاياهم، وتروي عمر، استناداً إلى ما جمعته من شهادات ووثائق، أن كثيراً من المغيبين لم يُدفنوا في مقابر جماعية تقليدية، بل جرى إخفاء آثارهم بطرق متعددة، من بينها استخدامهم في تجارب بيولوجية أو كدروع بشرية، أو التخلص من الجثث في المسطحات المائية، أو عبر وسائل أخرى هدفت إلى محو الدليل نفسه.

هذه التفاصيل، على قسوتها، تطرحها عمر بوصفها جزءاً من شهادات وملفات تحتاج إلى مركز وطني متخصص يراجعها ويصنفها ويحفظها ضمن أرشيف قضائي وحقوقي مفتوح للأجيال المقبلة.

حين تصبح الوثيقة بديلاً عن القبر

في كثير من حالات الإبادة الجماعية، يكون القبر شاهداً أخيراً، لكن في الحالة الكوردية، تقول عمر، حتى القبور غابت في ملفات كثيرة، ولهذا تحولت الوثيقة إلى بديل عن الشاهد، والاسم إلى أثر، والصورة إلى محاولة أخيرة لإثبات أن شخصاً ما كان هنا ذات يوم.

تتحدث الباحثة عن عائلات لا تزال تبحث عن خبر واحد عن أبنائها، بعضهم اختفى في السجون، وبعضهم اقتيد من المدارس أو الدوائر أو نقاط التفتيش، وبعضهم رُحّل إلى الحدود بلا أوراق، ثم ضاع بين دولتين وسجلين وذاكرتين.

وتقول عمر إن هذه الفجوة بين الجريمة والاعتراف الكامل بها هي ما يجعل التوثيق عملاً مستمراً لا ينتهي. فالمطلوب، برأيها، ليس فقط إحياء الذكرى أو عرض الوثائق في المعارض، بل تحويل الأرشيف إلى مسار عدالة.

وبعد أكثر من عقدين على سقوط النظام السابق، لا تزال عدالت عمر ترى أن العراق لم ينجز بعد ما يكفي في ملف العدالة الانتقالية، فالمقابر الجماعية لم تُفتح كلها، والوثائق لم تُجمع في مركز وطني جامع، والضحايا لم يحصلوا دائماً على الاعتراف والتعويض ورد الاعتبار بالشكل الذي يليق بحجم المأساة.

وتقول إن غياب مركز وطني متخصص لتوثيق جرائم الإبادة ضد الكورد يمثل واحدة من أكبر الثغرات في هذا الملف، فالمبادرات الفردية، مهما كانت جادة كما تشير، لا تستطيع وحدها حمل ذاكرة بهذا الحجم، خصوصاً في ظل أزمات اقتصادية وسياسية متلاحقة شهدها إقليم كوردستان والعراق عموماً.

وتضيف أن مشروعها اصطدم مراراً بضعف الدعم، وبنقص التمويل، وبغياب الإرادة المؤسسية القادرة على تحويل الوثائق المتفرقة إلى أرشيف وطني منظم، يحفظ أسماء الضحايا وملفات المغيبين وشهادات الناجين.

في نهاية حديثها، تعود عدالت عمر إلى المعرض، إلى الأوراق والصور والأسماء، هناك، وسط الزوار والكتب، يبدو جناحها كأنه مساحة صغيرة لمواجهة قرن من الصمت.

تقول إن كل وثيقة تعرضها ليست مجرد مستند، بل صرخة، وكل اسم ليس رقماً، بل حياة أُخذت من مكانها، وكل ملف لم يُفتح بعد هو دين أخلاقي في عنق الدولة والمجتمع والمؤسسات الحقوقية.

وترى عمر أن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الإبادة هو أن يتحول الضحايا إلى أرقام عابرة في كتب التاريخ، أو إلى ذكرى موسمية تُستعاد في المناسبات ثم تُنسى.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon