العراق.. نقطة صراع "قديم متجدد" من الرومان والفرس إلى أميركا وإيران

العراق.. نقطة صراع "قديم متجدد" من الرومان والفرس إلى أميركا وإيران
2026-10-05T08:58:05+00:00

شفق نيوز- تحليل خاص

على مدى قرون، شكّل العراق نقطة تماس بين قوى وإمبراطوريات متنافسة على النفوذ في المنطقة، من الصراع الروماني-الفارسي إلى التنافس الأميركي-الإيراني في العصر الحديث.

وبينما أنهى الانسحاب العسكري الأميركي من العراق في نهاية أيلول/ سبتمبر 2026 مرحلة من هذا الصراع، فإن تأثير واشنطن وطهران لم ينتهِ، بل ينتقل إلى السياسة والاقتصاد والأمن، ليعود السؤال الأبرز: هل تستطيع بغداد تحويل موقعها الجغرافي والسياسي من مصدر ضغط إلى ورقة قوة؟

وتقدم مدينة الحضر، شمالي العراق، نموذجاً تاريخياً لطبيعة هذا الموقع، بعدما وجدت نفسها في منطقة تماس بين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية، وتمكنت في مراحل مختلفة من الحفاظ على استقلالها المحلي رغم محاولات إخضاعها.

اليوم، وبعد خروج القوات الأميركية، يجد العراق نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً؛ فهو مرتبط بالولايات المتحدة اقتصادياً ومالياً وسياسياً، وفي الوقت نفسه تربطه بإيران علاقات أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية عميقة.

ويرى مراقبون تحدثوا لوكالة شفق نيوز أن إنهاء الوجود العسكري الأميركي لا يعني انتهاء التأثير الخارجي، وأن تعزيز القرار السيادي يتطلب قوة داخلية قادرة على منع تحول العراق مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات.

قرار بغداد

يقول المحلل السياسي إياد الفتلاوي إن العراق سيحتاج إلى "المزيد من الجهد الدبلوماسي والدولي" للتعامل مع التأثيرات الأميركية والإيرانية، لأن موقعه يجعل من الصعب النأي به عن مصالح القوتين.

ويرى الفتلاوي أن بغداد تستطيع الاقتراب من نموذج الحياد الذي تتبناه دول مثل سلطنة عُمان، إذا تمكنت من تحرير اقتصادها من التأثيرات الخارجية واعتماد سياسة متوازنة، بما يمنحها فرصة لأداء دور أكبر في استقرار المنطقة.

أما المحلل السياسي حميد الخفاجي، فيربط استقلال القرار بمصادر القوة التي تمتلكها الدولة، مشيراً إلى أن القوة الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والسياسية تشكل أساس قدرة الحكومات على اتخاذ قرارات مستقلة. وكلما ضعفت هذه الركائز، ازدادت قدرة القوى الخارجية على التحرك داخل المشهد العراقي.

بدوره، يرى الباحث في السياسات الاستراتيجية العراقية والإقليمية كاظم ياور، أن الانسحاب الأميركي لن ينهي التنافس على العراق، بل سيدفع الأطراف المؤثرة إلى إعادة صياغة قواعد تعاملها مع بغداد.

ويشير إلى أن إيران استفادت خلال سنوات من الوجود الأميركي في العراق، فمن جهة استخدمته للضغط على واشنطن، ومن جهة أخرى عززت نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني داخل البلاد. وبعد الانسحاب، ستحتاج طهران إلى مراجعة بعض حساباتها، مع الحفاظ على علاقاتها مع الفصائل والأحزاب القريبة منها.

فرصة أم عبء؟

يمتلك العراق موقعاً جغرافياً يجعله حلقة وصل بين الخليج وبلاد الشام وتركيا وإيران، وهو موقع يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة إذا أحسنت الدولة استثماره.

ويعتقد الفتلاوي أن الموقع العراقي يمكن أن يصبح عاملاً للاستقرار إذا تبنت بغداد سياسة تقوم على الحياد، وتحرير اقتصادها من النفوذ الخارجي، وإدارة علاقاتها بعيداً عن الاصطفافات.

أما الخفاجي، فيرى أن الاستفادة من الموقع الجغرافي والثروات الطبيعية تتطلب رؤية وطنية تجعل "مصلحة العراق أولاً"، فيما يحذر ياور من أن الموقع ذاته قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما تتعرض إيران لضغوط إقليمية ودولية.

وبحسب ياور، قد تلجأ طهران إلى توظيف الساحة العراقية في مواجهة الولايات المتحدة، عبر ملفات سياسية أو أمنية أو اقتصادية، حتى عندما لا تتطابق هذه التحركات بالضرورة مع مصلحة الدولة العراقية.

عنوان السيادة

في قلب هذه المعادلة يبرز ملف السلاح، الذي لم يعد شأناً أمنياً داخلياً فقط، بل تحول إلى إحدى أهم نقاط الضغط في العلاقة بين بغداد وواشنطن وطهران.

ويؤكد الفتلاوي أن العراق يحتاج إلى وحدة القرار الوطني، وخطة تسليح جدية، وإنهاء السلاح المنفلت المرتبط بدول الجوار، فيما يرى الخفاجي أن تعزيز السيادة يتطلب وحدة القرار السياسي والأمني وجعل القرار الأمني وطنياً.

أما ياور، فيعتبر أن حصر السلاح بيد الدولة أصبح جزءاً من الالتزامات المؤثرة في علاقات العراق الخارجية، بعدما كان في مراحل سابقة ورقة تستخدمها إيران للضغط على الولايات المتحدة أو تعزيز موقفها التفاوضي.

ويرى أن موقف الفصائل والأحزاب القريبة من إيران لن يكون ثابتاً، بل سيتأثر بمسار العلاقات الأميركية-الإيرانية؛ فالتهدئة قد تخفف الحاجة إلى استخدام العراق كساحة ضغط، بينما قد يؤدي التصعيد إلى زيادة توظيف الملفات العراقية.

حماية الأراض

يتفق المحللون على أن العراق يمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على حماية البلاد، لكن فاعليتها تبقى مرتبطة بالقرار السياسي.

ويقول الفتلاوي إن المؤسسة الأمنية تحتاج إلى قرار سياسي موحد يدعمها بعيداً عن الاعتبارات القومية والطائفية، فيما يؤكد الخفاجي أن المؤسسات العراقية تمتلك الخبرة، لكنها تحتاج إلى "زخم سياسي" يساند قراراتها.

ويتمثل الاختبار الأكبر في منع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية، ويرى الفتلاوي أن الحياد يقتضي منع الفصائل من الانحياز إلى أطراف خارجية، بينما يشدد الخفاجي على ضرورة الحفاظ على العراق بعيداً عن المواجهات.

لكن ياور يرى أن الساحة العراقية ستظل خاضعة لـ"معادلات متغيرة وغير ثابتة"، تتأثر بمسار التفاوض والصراع بين واشنطن وطهران.

الانسحاب

يرى الخفاجي أن الانسحاب الأميركي خطوة جيدة لأنها جاءت عبر مسار دبلوماسي، لكن الاستفادة منها مرتبطة بقدرة حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي والقوى السياسية على الالتزام بحصر السلاح بيد الدولة.

ويؤكد الفتلاوي أن المرحلة الجديدة تضع مسؤولية تعزيز السيادة على عاتق جميع القوى السياسية، وتتطلب تقوية المؤسسة العسكرية وتوحيد الخطاب الوطني.

أما ياور، فيرى أن الانسحاب لا يعني انتهاء التأثير الأميركي أو الإيراني، وإنما انتقال التنافس إلى أدوات أخرى، خصوصاً أن واشنطن ما تزال مرتبطة بالعراق عبر ملفات اقتصادية ومالية، بينها إدارة عائدات النفط العراقي بالدولار عبر النظام المالي الأميركي.

الانقسام الداخلي

ويظل الانقسام السياسي الداخلي أحد أكبر العوائق أمام بناء سياسة خارجية متوازنة. ويشير الفتلاوي إلى أن اختلاف القوى السياسية بشأن الملفات الحساسة قد يدفع العراق إلى مواقف غير متوازنة، فيما يرى الخفاجي أن الانقسامات لم تعد بين المكونات فقط، بل ظهرت داخل المكونات نفسها، ما يضعف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات موحدة.

ويؤكد ياور أن النفوذ الإيراني لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتد إلى أحزاب وقوى سياسية وعلاقات اقتصادية واجتماعية، معتبراً أن الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية تبقى الأكثر تأثراً بمسار العلاقة بين طهران وواشنطن.

الوساطة

يرى الفتلاوي أن بغداد تمتلك فرصة للعب دور بين واشنطن وطهران، مستفيدة من علاقاتها التاريخية والجغرافية مع إيران ومصالحها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، لكن ذلك يتطلب معالجة ملف السلاح وتعزيز استقلال القرار.

في المقابل، يرى الخفاجي أن قدرة العراق الحالية على حل الصراعات الإقليمية لا تزال متواضعة، بسبب تراكم النزاعات الداخلية التي أثرت في قدرة النخب السياسية والدبلوماسية على لعب دور إقليمي مؤثر.

أما ياور، فيربط أي دور وساطة بمدى استقلال القرار العراقي، لأن استمرار استخدام العراق للضغط المتبادل سيحد من قدرة بغداد على تقديم نفسها كطرف محايد.

أساس الاستقلال

ولا يمكن فصل الاستقلال السياسي عن الاقتصادي. ويدعو الفتلاوي إلى مكافحة الفساد، وتنويع الاقتصاد، ودعم القطاع الخاص، وتحسين بيئة الاستثمار، واستقطاب الشركات الأجنبية، إلى جانب ضبط الإنفاق وتعزيز الإيرادات.

ويرى الخفاجي أن العراق يحتاج إلى شراكات استراتيجية مستدامة مع القوى الاقتصادية الكبرى، مثل الصين والولايات المتحدة وبريطانيا، بما يسمح له باستخدام قوته الاقتصادية لتعزيز حضوره السياسي.

أما ياور، فيؤكد أن النفوذ الخارجي لا يتحرك عبر السلاح والسياسة فقط، بل أيضاً من خلال المصالح الاقتصادية وشبكات الارتباط بين القوى العراقية والدول الإقليمية.

دولة قرار

في النهاية، لا يزال العراق يقف أمام معادلة تشبه، من حيث جوهرها، موقعه التاريخي بين الإمبراطوريات: جغرافيا تجعله مهماً، لكنها تجعله أيضاً عرضة للتنافس.

ويرى الفتلاوي أن انتقال العراق من ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الخارجية إلى دولة تمتلك قرارها السيادي ممكن، لكنه يحتاج إلى دعم وطني يتجاوز الارتباطات العقائدية والقومية. فيما يرى الخفاجي أن استثمار الموارد والموقع الجغرافي يمكن أن يحول عناصر القوة العراقية إلى أدوات للتنمية والنفوذ.

أما ياور فيحذر من أن استمرار توظيف العراق في الصراع الأميركي-الإيراني سيبقي البلاد أمام معادلات متحركة، تستخدم فيها الفصائل والأحزاب والملفات الأمنية والاقتصادية لتحقيق أهداف خارجية.

وهكذا، فإن انتهاء الوجود العسكري الأميركي لا يغلق صفحة التنافس على العراق، بل يفتح مرحلة جديدة تختبر قدرة بغداد على الإمساك بقرارها. فهل يستطيع العراق، هذه المرة، أن يحوّل موقعه من ساحة يتصارع عليها الآخرون إلى ورقة قوة تفرض مصالحه أولاً؟

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon