العراق.. مطالب بتأسيس مجلس أعلى لإدارة كنوز أثرية تعود لآلاف السنين (صور)
شفق نيوز- بغداد
يمتلك العراق مقومات سياحية استثنائية تجمع بين المواقع الأثرية والحضارية، والمدن التاريخية والأسواق التقليدية، فضلاً عن التراث الثقافي غير المادي، إلا أن استثمار هذا الإرث وتحويله إلى مورد اقتصادي وسياحي ما يزال يواجه تحديات تتعلق بالبنى التحتية والاستقرار والخدمات والتنسيق بين الجهات المعنية.
وقال المتحدث الرسمي باسم هيئة السياحة التابعة لوزارة الثقافة والسياحة والآثار، علي ياسين، لوكالة شفق نيوز، إن العراق يمتلك مقومات سياحية متنوعة، تجمع بين المواقع الأثرية والحضارية والمدن التاريخية والأسواق التقليدية، إلى جانب التراث الثقافي غير المادي.
وأوضح ياسين أن المواقع الأثرية والحضارية تمثل أحد أبرز عناصر الجذب السياحي في العراق، وفي مقدمتها مدينة بابل المدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو، والتي تضم آثاراً يعود تاريخها إلى أكثر من 4000 عام، من بينها بوابة عشتار وما يرتبط بالحدائق المعلقة، إحدى عجائب العالم القديم.
وأشار إلى أن مدينة أور تمثل واحدة من أقدم المدن السومرية في التاريخ، وترتبط بموطن النبي إبراهيم (عليه السلام)، وتضم الزقورة الشهيرة، فيما تعد عقرقوف، الواقعة على بعد نحو 30 كيلومتراً غرب بغداد، من أبرز المواقع الأثرية في البلاد.
وأضاف أن عقرقوف كانت العاصمة الدينية والسياسية للدولة الكاشية التي حكمت بابل بين القرنين السادس عشر والحادي عشر قبل الميلاد، وتتميز بزقورتها أو معبدها المدرج، الذي يعد من أبرز الزقورات المتبقية في العراق، ويبلغ ارتفاعه الحالي نحو 57 متراً.
وبيّن ياسين، أن نينوى ونمرود تمثلان مراكز مهمة للحضارة الآشورية، لما تضمانه من قصور ومعابد ونقوش ضخمة، فيما تعد مدينة الحضر من أبرز المدن الرومانية المحصنة في العراق، وهي مدرجة على لائحة التراث العالمي.
ولفت إلى أن المتحف الوطني العراقي في بغداد يمثل رحلة تمتد لنحو سبعة آلاف عام من تاريخ الحضارة العراقية، ويعد المؤسسة الرسمية المعنية بحفظ وتنظيم الإرث الأثري العراقي، ويضم ما بين 170 و200 ألف قطعة أثرية تمثل مراحل حضارية متعددة، بينها السومرية والأكدية والبابلية والآشورية وحضارة الحضر والفترة الإسلامية، موزعة على 28 قاعة عرض ودرج.
بغداد القديمة
وأشار المتحدث الرسمي إلى أن بغداد القديمة، بما تضمه من شارع المتنبي وسوق الشورجة وخان مرجان، تمثل نموذجاً يجمع بين التاريخ والتجربة الثقافية الحية، إلى جانب مدن تاريخية أخرى، مثل الكوفة وواسط والبصرة القديمة، التي تتمتع بأبعاد تاريخية وإسلامية وأدبية وفلسفية عميقة.
وأكد ياسين أن المقومات السياحية العراقية لا تقتصر على المواقع الأثرية، بل تشمل إرثاً ثقافياً غير مادي غنياً، يتمثل بالشعر الشعبي والمقامات الموسيقية والحرف اليدوية، ومنها النحاسيات والسجاد والزخرفة الإسلامية، فضلاً عن المطبخ العراقي التقليدي وما يحمله من تنوع وارتباط بقصص وتقاليد تاريخية متوارثة.
ونبه إلى أن هذه المقومات تأتي ضمن الرؤية المقترحة لإعداد الاستراتيجية الوطنية لتطوير السياحة في العراق، الهادفة إلى الاستفادة من التنوع الحضاري والثقافي الذي يتميز به العراق وتعزيز حضوره كوجهة سياحية تاريخية وثقافية.
رافد اقتصادي
من جانبه، ذكر الباحث الآثاري قيس رشيد، لوكالة شفق نيوز، إن السياحة الأثرية تمثل قطاعاً مهماً وحيوياً ضمن منظومة السياحة العامة، وتسهم إلى جانب السياحة الطبيعية والدينية والعلاجية وغيرها في رفد اقتصاديات الدول ودعم خططها التنموية والاستثمارية، بما يساهم في رفع مستوى الدخل وتحسين مستوى الرفاهية.
وبحسب رشيد، فإن العراق يمتلك أحد أهم مقومات السياحة الأثرية، والمتمثل برصيد حضاري كبير قلما يضاهيه بلد آخر، مبيناً أن أرض العراق شهدت نشوء أولى الحضارات، ومنها انطلقت العديد من المنجزات التاريخية، كالكتابة والقانون والزراعة وتنظيم الري وبناء المعابد وتحصين المدن واختراع العجلة، فضلاً عن إسهامات مبكرة في تنظيم المجتمع وحقوق الإنسان.
ولفت إلى أن هذه المقومات تجعل من المدن والمواقع الأثرية العراقية مقصداً سياحياً فريداً، إلا أن حالة عدم الاستقرار التي مر بها العراق، إلى جانب الأزمات السياسية والمالية المتعاقبة، أربكت وعطلت الكثير من التطلعات الرامية إلى بناء قطاع سياحي أثري يليق بمكانة العراق وتاريخه.
وأكد رشيد أن إنعاش السياحة الأثرية يتطلب توفير بيئة آمنة وبنى تحتية حديثة، وإعداد كوادر متخصصة لإدارة المرافق السياحية الأثرية، إلى جانب توفير الخدمات التي يحتاجها السائح، ومنها المساحات الخضراء والمطاعم والفنادق والأماكن الترفيهية، فضلاً عن تطوير الطرق والمطارات والمتاحف وتسهيل إجراءات الحصول على التأشيرات السياحية للراغبين بزيارة العراق.
وبيّن أن هذه المتطلبات تؤكد أن النهوض بالسياحة الأثرية لا يمكن أن يكون مسؤولية وزارة واحدة، وإنما يحتاج إلى جهود وطنية مشتركة تشارك فيها مختلف الوزارات والجهات ذات العلاقة.
واقترح رشيد، تأسيس مجلس أعلى للسياحة والآثار يضم جميع الجهات المعنية ويرتبط مباشرة برئاسة مجلس الوزراء، معتبراً أن هذه الخطوة يمكن أن تسهم في تنشيط قطاع السياحة بصورة عامة والسياحة الأثرية بصورة خاصة.
وخلص إلى أن الآثار تمثل قاسماً مشتركاً بين العراقيين، وأحد أبرز رموز الهوية الوطنية الجامعة، مشدداً على أن الاستثمار في هذا الإرث لا يقتصر على الجانب الاقتصادي والسياحي، بل يسهم أيضاً في تعزيز روح المواطنة وبناء أجيال تؤمن بعراق واحد قوي، ومتصالح مع تاريخه وذاته ومع الآخرين.