الشباب في العراق.. دعوات لتطبيق "النظام الأوروبي" لتحقيق أحلامهم
شفق نيوز/ 350 ألف شاب وشابة يتخرجون سنوياً في العراق، أعداد يراها برلمانيون وخبراء اقتصاديون ضخمة تفوق قدرة القطاع الحكومي في أي دولة بالعالم لتوظيفهم، في وقت يعاني الاقتصاد العراقي من "تخلف بنيوي" وإهمال للقطاع الخاص، ما يجعل الخريجون يعانون من تحديات متزايدة في تحقيق أحلامهم بالعثور على فرص عمل.
وتعود أسباب البطالة المستفحلة في العراق إلى الاهتمام بالقطاع الحكومي على حساب القطاع الخاص، وفق النائب جواد اليساري، مبيناً أن "الدولة استندت إلى القطاع الحكومي وأهملت القطاعات الخاصة، منها على سبيل المثال الزراعة، ما أدى إلى ترك الفلاح مصدر رزقه الزراعي والبحث عن وظيفة حكومية".
ويؤكد اليساري لوكالة شفق نيوز، أن "الحل يكون بالتوجه للقطاع الخاص مع وضع ضوابط وقوانين تحمي الوظائف والقطاعات من التجاوز عليها من الآخرين، وذلك عبر تفعيل الوظيفة الواحدة ومنع الجمع بين الوظيفتين الحكومية والخاصة، بما في ذلك منع الموظف من العمل سائق أجرة".
ويتابع النائب حديثه قائلاً، "وكذلك تفعيل القطاعات الخاصة سواء في الطب أو الصناعة أو التجارة أو الزراعة، وكذلك وضع رواتب لها تساوي ما يحصل عليه نظراؤهم في القطاع الحكومي".
وهذا ما تطالب به أيضاً النائب، ابتسام الهلالي، التي شددت على ضرورة "تفعيل القطاع الخاص والمصانع والاستثمارات لتضم الخريجين"، مؤكدة لوكالة شفق نيوز، أن "تصويت البرلمان على قانون الضمان - الذي له مميزات منها التقاعد - شجع الخريجين على الإقبال نحو القطاع الخاص، وسيكون لمجلس النواب تحركاً لتفعيل القطاع الخاص أكثر في مقبل الأيام".
تحديات متزايدة
ويعاني الخريجون في العراق من تحديات متزايدة في العثور على فرص عمل، خاصة مع محدودية التوظيف في القطاع العام الذي يعاني من الترهل الوظيفي الخطير، واعتماد الاقتصاد على الريع النفطي، وفق الباحث الاقتصادي، أحمد عيد.
ويضيف عيد لوكالة شفق نيوز، أنه "رغم الإمكانيات الكبيرة التي يمتلكها العراق في تأهيل وتطوير القطاع الخاص، إلا أنه ما يزال غير قادر على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين بسبب بيئة الأعمال غير المستقرة، والبيروقراطية، وهيمنة بعض الجهات غير الرسمية على مفاصل الدولة، ومنها مفاصل مهمة في القطاع الخاص".
ويؤكد الباحث الاقتصادي، أن "من أهم الفرص المفقودة للخريجين في العراق قطاع التكنولوجيا والرقمنة، ورغم تزايد الطلب على المهارات التقنية، إلا أن غياب الدعم الحكومي والمبادرات الاستثمارية يحرم الخريجين من فرص العمل في هذا المجال الحيوي".
ويشير إلى أن "الزراعة والصناعات التحويلية والصناعات المرتبطة بها يمكن أن يكون محركاً رئيسياً للتوظيف، لكن ضعف التخطيط والتمويل يمنع الاستفادة من هذه الإمكانية".
ويكمل، "كما أن القطاع المصرفي والمالي يعاني من اختلالات ومشاكل كبيرة، فضلاً عن عدم الاستفادة من بيئة الاقتصاد التشاركي التي يمكن أن تحقق إنجازات عظيمة في توفير فرص العمل، لما للتمويل الإسلامي والبنوك التشاركية أهمية بالغة في تحقيق النمو المستدام، فالعراق لم يستغل هذا القطاع لتوفير فرص عمل واسعة للخريجين المتخصصين في المالية والمصرفية".
وبالحديث عن قطاع السياحة والخدمات، فإن "العراق يملك مقومات سياحية ضخمة، لكن الإهمال والافتقار إلى البنية التحتية يحدّان من إمكانية تحويله إلى مصدر أساسي لفرص العمل"، بحسب عيد.
ويؤكد الباحث الاقتصادي، أن "الحلول والمعالجات تكمن في إعادة هيكلة الاقتصاد ودعم القطاع الخاص من خلال تشريعات تحمي المستثمرين وتوفر بيئة عمل مستقرة، إلى جانب تعزيز التعليم المهني وربطه باحتياجات السوق، لأن عدم تحقيق إصلاحات جذرية، سيبقي الشباب العراقي عالقاً بين البطالة والهجرة، وهو ما يمثل خسارة كبرى للاقتصاد الوطني من الثروة البشرية".
التجربة الأوروبية
ويتفق الخبير الاقتصادي، كريم الحلو، مع ما ذهب إليه أحمد عيد بشأن أهمية تعزيز التعليم المهني، لكنه يقول في بداية حديثه إن "النظام الدولي في التوظيف يكون من 15 إلى 20 بالمائة، وهؤلاء يُعيّنون في المؤسسات والوزارات الحكومية، أما الباقي فيتجه نحو القطاع الخاص، وهذا ما معمول به على سبيل المثال في أوروبا".
ويوضح الحلو لوكالة شفق نيوز، أن "الحكومات الأوروبية مكنت القطاع الخاص من إقامة مصانع ومشاريع وخدمات ضخمة لتستوعب شبابها وحتى الأجانب والمهاجرين القادمين إليها، لما يوفر هذا القطاع من رفاهية للعاملين ورواتب ربما أعلى من القطاع الحكومي، كما أن للكل راتب تقاعدي، وهذا عامل نفسي مهم".
ويبيّن، أن "الشباب العراقيين الذين يعملون في القطاع الخاص داخل العراق، يفتقدون لهذا العامل النفسي والاقتصادي والاجتماعي، لذلك لا يرغبون بالقطاع الخاص، لكن من هاجر منهم إلى أوروبا لجأ إلى القطاع الخاص هناك لوجود تلك الامتيازات فيه، وأبرزها الضمان والتقاعد، لهذا نجح القطاع الخاص لديهم".
ويضيف الحلو، "أما في العراق وفي ظل تخرج 350 ألف شاب وشابة سنوياً، فمن غير الممكن لأي دولة في العالم أن تستوعبهم بالقطاع الحكومي، خاصة في ظل ما يعاني منه العراق من تحديات اقتصادية وترهل وظيفي وتخلف بنيوي".
ويرى، أن "ما يفاقم الوضع في العراق هو فتح كليات جديدة كل فترة، بينما يتم إهمال القطاع المهني، لذلك يلاحظ وجود نقص كبير في أعداد المهنيين المحترفين، وبالتالي يتم الاعتماد على الخبراء الأجانب".
ويؤكد، أن "التعليم المهني ينبغي أن يكون الاهتمام به كما في أوروبا الذي يلجأ إليه أغلب الطلبة هناك لما يوفر من فرص عمل كثيرة لهم، وهذا ما ينبغي تطبيقه في العراق أيضاً".