11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

الجفاف لم ينتهِ.. العراق يتعامل مع المياه بعقلية "الوفرة" في زمن "الندرة"

الجفاف لم ينتهِ.. العراق يتعامل مع المياه بعقلية "الوفرة" في زمن "الندرة"
2026-06-23T11:11:05+00:00

شفق نيوز- بغداد 

تواجه المحافظات الجنوبية في العراق مفارقة غريبة، ففي الوقت الذي أصبحت فيه المياه أكثر في السدود والأنهار، ظلت الحياة أقل استقراراً في المناطق الريفية، فبينما تتحدث الحكومة العراقية عن موسم مائي "مريح نسبياً" وخطط توسع زراعي كبيرة، تتسع في المقابل رقعة التصحر، وتزداد الهجرة الداخلية من الريف نحو المدينة، وسط تحذيرات من خبراء ومتخصصين من أن الأزمة لم تنتهِ بل تغيّر شكلها فقط.

وعلى امتداد محافظات ذي قار وميسان والبصرة والمثنى والديوانية، لا تبدو الأزمة المائية في العراق مجرد انخفاض في الإطلاقات أو تراجع في الأمطار، بل تحوّل بنيوي في علاقة المجتمع بالماء والزراعة والبيئة، حيث تتداخل آثار الجفاف مع التغير المناخي وسوء الإدارة المائية والتوترات الإقليمية حول الموارد العابرة للحدود.

ورغم تسجيل ارتفاع نسبي في مناسيب المياه خلال الأشهر الأخيرة، فإن هذا التحسن، بحسب مختصين، لا يتجاوز كونه "استجابة موسمية" لا ترقى إلى معالجة جذور أزمة امتدت لسنوات.

تحسن مؤقت

وفي هذا السياق، يقول الخبير في شؤون الموارد المائية، تحسين الموسوي، إن "العراق مرّ خلال السنوات الأربع الماضية بصدمات مائية قاسية، بلغت ذروتها في عام و2025، وهو الأسوأ منذ عقود، حيث تراجع الخزين المائي إلى أقل من 5 مليارات متر مكعب، ووصل في نهاية العام ذاته إلى نحو ملياري متر مكعب، ما أثار مخاوف جدية على مياه الشرب".

ويضيف الموسوي لوكالة شفق نيوز، أن "الأمطار الأخيرة لم تكن انفراجاً حقيقياً بل إنعاشاً مؤقتاً"، مشيراً إلى أن "ما حدث هو استجابة طبيعية من السماء، وليست نتيجة تحسن في إدارة أو تفاهمات مائية مع دول الجوار".

وكشف الخبير أن العراق يعتمد بشكل كبير على الخارج في موارده المائية، قائلاً إن "نحو 70% من المياه تأتي من خارج الحدود عبر دجلة والفرات وروافدهما، مقابل 30% فقط من المصادر الداخلية، ما يجعل البلاد عرضة لتقلبات سياسات الدول المتشاطئة".

وبحسب الموسوي، فإن "الخزين الاستراتيجي للعراق يتجاوز نظرياً 100 مليار متر مكعب، إلا أن الموجود فعلياً لا يتجاوز 30 ملياراً، وهو ما يعكس فجوة كبيرة بين القدرة التخزينية والاستخدام الفعلي". 

ويحذر من أن الطلب على المياه ارتفع بشكل كبير نتيجة النمو السكاني والتوسع الزراعي، قائلاً إن "ميزان المياه مختل لأن الطلب أصبح أعلى من العرض"، مضيفاً أن "العراق ما زال يعتمد على الري التقليدي (السيحي) في الزراعة، دون توسع حقيقي في أنظمة الري الحديثة أو إعادة استخدام المياه".

مخاطر التوسع الزراعي

وفي تطور لافت، أعلنت وزارة الزراعة العراقية مؤخراً رفع المساحات المزروعة في الموسم الصيفي إلى نحو 1.8 مليون دونم، بينها أكثر من 360 ألف دونم لزراعة الشلب، في خطوة وُصفت بأنها الأكبر منذ سنوات.

لكن هذا التوسع الزراعي يثير مخاوف من استنزاف الموارد المائية مجدداً، خصوصاً في ظل استمرار هشاشة الخزين المائي وتذبذب الإطلاقات.

ويؤكد الموسوي أن "العودة إلى زراعة الشلب بهذه المساحات تمثل مخاطرة كبيرة"، محذراً من أن "غياب الاتفاقات الملزمة مع دول المنبع يجعل التخطيط الزراعي غير مستقر، ويؤدي إلى تكرار أزمات العجز المائي".

ويضيف أن "العراق لا يزال يتعامل مع المياه بعقلية الوفرة، رغم أنه يعيش فعلياً مرحلة ندرة"، مشيراً إلى أن "هذا الخلل في الفهم أدى إلى خسائر متكررة في المواسم الزراعية السابقة".

ويرى خبراء أن التحسن النسبي في مناسيب المياه لا يعكس تغيراً جذرياً في الواقع، بل يأتي ضمن دورة من التقلبات المناخية التي باتت أكثر حدة.

وتشير بيانات حكومية وتصريحات رسمية إلى أن ارتفاع الخزين المائي خلال الفترة الأخيرة سمح بتخفيف بعض القيود الزراعية، لكن مختصين يحذرون من أن هذا "التحسن مؤقت وموسمي".

وفي هذا الجانب، تقول المهندسة الزراعية وعضو لجنة الزراعة في الدورة البرلمانية السابقة، زوزان كوجر، إن ملف المياه لم يعد قضية قطاع واحد، بل أصبح "قضية أمن قومي متكاملة".

وتضيف كوجر لوكالة شفق نيوز، أن "أي قراءة للوضع الحالي يجب ألا تنخدع بارتفاع المناسيب، لأن الأزمة أعمق من ذلك بكثير"، موضحة أن "التغير المناخي والجفاف والتصحر، إلى جانب ضعف التنسيق الإقليمي، كلها عوامل تجعل من أي تحسن حالة غير مستقرة".

وتؤكد كوجر أن "الحل لا يكمن في إدارة الداخل فقط، بل أيضاً في الدبلوماسية المائية مع دول الجوار"، مشددة على أن "استدامة المياه تتطلب شراكة حقيقية بين كل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية والمجتمع".

وتحذر من أن "استمرار الأزمة سيؤثر على الأمن الغذائي والاقتصاد والطاقة"، لافتة إلى أن "الجنوب العراقي يواجه تهديداً مباشراً بسبب تراجع الموارد المائية".

انتعاش مؤقت للأهوار

في الجنوب، تعيش الأهوار العراقية حالة متقلبة بين التعافي والتهديد، فقد ساهمت السيول والأمطار في إنعاش أجزاء من هور الحويزة، بينما بقيت مناطق أخرى تعاني من ضعف الإمدادات.

ويشير الخبير البيئي، أحمد صالح، إلى أن "الأهوار الوسطى لم تحصل على كميات كافية من المياه، في حين شهد هور الحويزة تحسناً نسبياً بعد تغذية بعض القنوات المغذية له".

لكن صالح يحذر خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، من أن "الحكومة بدأت مؤخراً تقليل الإطلاقات المائية لبعض الأنهر المغذية، ما يعيد المخاوف من عودة الجفاف".

ويقول صالح إن "الحكومة تمتلك حالياً مخزوناً مائياً يكفي لفترة مؤقتة، لكن هذا لا يعني أن الأزمة انتهت"، مشيراً إلى أن "السياسات الزراعية الحالية، خصوصاً التوسع في زراعة الشلب، قد تعيد الضغط على النظام البيئي".

ويضيف أن "إعادة إدخال مشاريع الاستزراع السمكي غير المنظمة يزيد من تعقيد المشهد البيئي، في وقت ما تزال فيه الأهوار تعاني من آثار نزوح السكان وتراجع المهن التقليدية".

اتساع التصحر والهجرة

وفي موازاة الأزمة المائية، تتسع رقعة التصحر في العراق بشكل مقلق، فبحسب مرصد "العراق الأخضر"، المتخصص بشؤون البيئة، بلغت مساحة الأراضي المتصحرة نحو 40.4 مليون دونم، أي ما يعادل 23.2% من مساحة البلاد، فيما تصل الأراضي المهددة بالتصحر إلى أكثر من 96 مليون دونم، أي أكثر من نصف مساحة العراق.

ويحذر المرصد من أن العراق يفقد سنوياً نحو 100 ألف دونم من أراضيه الزراعية نتيجة التملح وتدهور التربة، في ظل تراجع الإطلاقات المائية وارتفاع درجات الحرارة.

وتعد محافظات ذي قار وميسان والمثنى والديوانية الأكثر تضرراً، حيث تشير تقارير محلية إلى جفاف واسع في قنوات الري وانحسار النشاط الزراعي.

ويؤكد المرصد أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى ارتفاع عدد الأيام المغبرة إلى 200 يوم سنوياً، ما يعني تحوّل مساحات واسعة من البلاد إلى بيئة غير صالحة للزراعة والسكن.

ومع تراجع الزراعة وتدهور الموارد الطبيعية، تتسارع الهجرة الداخلية من الأرياف نحو المدن، ويشير رئيس لجنة التصحر في ذي قار، حيدر سعدي، إلى أن موجات الجفاف خلال السنوات الماضية تسببت في نزوح آلاف العائلات، بينها نحو 10 آلاف و500 عائلة لا تزال تعيش حالة نزوح فعلي.

ويضيف سعدي لوكالة شفق نيوز، أن خسائر الثروة الحيوانية كانت كبيرة، حيث نفقت آلاف رؤوس الجاموس، بالإضافة إلى تراجع الثروة السمكية.

ويقول إن غياب الدعم الحكومي وبرامج الطوارئ أدى إلى تفاقم الأزمة، مشيراً إلى أن الفئات الأكثر تضرراً هم النساء والأطفال ومربو الجاموس الذين فقدوا مصادر رزقهم الأساسية.

ويحذر من أن استمرار الوضع دون تدخل جذري سيؤدي إلى اتساع الهجرة نحو المدن، ما يخلق ضغطاً إضافياً على البنية التحتية وسوق العمل والخدمات.

تلوث المياه

ولا تقتصر التحديات على شح المياه، بل تمتد إلى نوعيتها، فبحسب تقارير إعلامية، فإن معظم محطات معالجة مياه الصرف الصحي في البلاد تعمل بكفاءة منخفضة لا تتجاوز 30% من أصل 72 محطة رئيسية.

وتشير إلى أن نحو 6 ملايين متر مكعب من مياه الصرف الصحي تُصرف يومياً إلى الأنهار دون معالجة، ما يفاقم تلوث مياه الشرب ويؤثر على الصحة العامة.

ويرى خبراء أن أحد أبرز أسباب تفاقم الأزمة هو ضعف الإدارة المائية وغياب التخطيط طويل الأمد، إذ يقول تحسين الموسوي إن العراق لم ينتقل بعد إلى إدارة "الندرة"، بل ما زال يتعامل مع المياه بعقلية إدارة الفيضانات والوفرة، وهو ما لم يعد مناسباً في ظل التغيرات المناخية.

ويضيف أن غياب مشاريع إعادة استخدام المياه المعالجة، وضعف حصاد الأمطار، واستمرار الري التقليدي، كلها عوامل تزيد من الهدر.

ويؤكد في الختام أن تبخر المياه في الصيف قد يصل إلى خسائر كبيرة، حيث فقد العراق في أحد المواسم نحو 8 مليارات متر مكعب نتيجة الحرارة المرتفعة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon