37 يوماً بلا رواتب.. ركود تجاري يخنق الأسواق العراقية
سوق الشورجة وسط بغداد - ارشيف
شفق نيوز- بغداد/ كربلاء
وصلنا إلى اليوم السابع والثلاثين منذ أن بدأت أزمة تأخر صرف رواتب عدد من موظفي الدولة العراقية، فيما لا تزال شريحة واسعة من العاملين في مؤسسات حكومية بانتظار مستحقاتها المالية، وسط التزامات معيشية متراكمة وضغوط اقتصادية متزايدة بدأت تنعكس بوضوح على الأسواق العراقية.
ومع استمرار أزمة السيولة التي أقرت بها الحكومة العراقية، تحولت مشكلة تأخر الرواتب من ملف مالي داخل أروقة وزارة المالية إلى أزمة يومية تمس حركة البيع والشراء وقدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، وسط مخاوف من دخول الأسواق في مرحلة ركود أطول إذا استمرت الضغوط على الإنفاق الحكومي.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الموازنة العراقية ضغوطاً متزايدة بسبب تراجع الإيرادات النفطية واضطراب الصادرات، مقابل استمرار ارتفاع النفقات التشغيلية، إذ تبلغ الالتزامات الشهرية للرواتب نحو 7.8 تريليونات دينار عراقي، بينما لم تتمكن الحكومة حتى الآن من توفير كامل المبالغ المطلوبة.
وكانت وزارة المالية قد أعلنت عن توفير نحو 3.2 تريليونات دينار لصرف جزء من الالتزامات، في وقت تشير تقديرات حكومية إلى وجود فجوة نقدية كبيرة أثرت في توقيت إطلاق مستحقات عدد من الوزارات والجهات العامة.
تراجع النشاط التجاري
وفي هذا السياق، يقول المتحدث باسم غرفة تجارة بغداد رشيد السعدي، إن الأسواق العراقية تشهد حالة من الركود الاقتصادي والفتور في الحركة التجارية نتيجة تأخر صرف رواتب شريحة من موظفي الدولة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الاستيراد بسبب اضطراب طرق الشحن.
ويضيف السعدي لوكالة شفق نيوز، أن غرفة تجارة بغداد تتابع بشكل يومي حركة الأسواق عبر مسوحات وجولات تشمل قطاعات المواد الغذائية والإنشائية والكيمياوية والذهب والمجوهرات والخضر والفواكه، مبيناً أن البيانات الميدانية تظهر تراجع النشاط التجاري وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين.
ويوضح أن الرواتب الحكومية تمثل المحرك الأساسي لحركة السوق العراقية، مشيراً إلى أن الدولة تضخ شهرياً نحو 7.8 تريليونات دينار في شكل رواتب، إلا أن تأخر وصول هذه الأموال انعكس مباشرة على حركة البيع والشراء.
ويقول إن توزيع نحو 3.2 تريليونات دينار فقط حتى الآن لا يكفي لتحريك الأسواق بالشكل المعتاد، خصوصاً أن الإنفاق الحكومي يشكل العمود الفقري للدورة الاقتصادية في العراق.
ويلفت إلى أن توقف أو إعادة تقييم بعض المشاريع الحكومية بسبب ارتفاع الكلف ساهم أيضاً في تباطؤ النشاط الاقتصادي، مشيراً إلى أن اضطراب حركة الشحن دفع عدداً من التجار إلى تغيير مسارات الاستيراد، ما رفع تكاليف النقل وأثر في أسعار السلع.
وبحسب السعدي، فإن بعض التجار اضطروا إلى بيع بضائعهم بخسارة بهدف استعادة رؤوس الأموال، في ظل ضعف الإقبال على الشراء، مبيناً أن غرفة تجارة بغداد تعمل على مخاطبة الجهات المعنية لتسهيل الإجراءات الجمركية والمنافذ الحدودية، إلا أن استمرار حالة الركود حد من قدرة التجار على تعويض خسائرهم.
تقليص الإنفاق
وفي أحد أسواق بغداد، يقول أبو محمد، صاحب محل لبيع المواد الغذائية، إن تأخر الرواتب انعكس بصورة مباشرة على حركة البيع، مؤكداً أن المبيعات انخفضت بشكل واضح خلال الفترة الأخيرة.
ويوضح أبو محمد لوكالة شفق نيوز، أن المواطنين باتوا يركزون على شراء الضروريات فقط، فيما تراجع الإقبال على كثير من السلع التي كانت تشهد حركة أكبر في السابق.
ويضيف أن نمط الاستهلاك تغير بشكل ملحوظ، إذ كان الزبائن يشترون احتياجات أسبوع أو شهر كامل، بينما أصبح كثير منهم يشتري كميات قليلة أو بالقطعة للحفاظ على ما تبقى من السيولة لديهم.
ويشير إلى أن بعض أصحاب المحال لجؤوا إلى البيع بالدين لزبائن يعرفونهم منذ سنوات، لكن هذه الطريقة أصبحت محدودة بسبب التزامات التجار أنفسهم، موضحاً أن كثيراً من أصحاب الأعمال خفضوا طلباتهم من الموردين لتجنب تراكم البضائع في المخازن.
ويحذر من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار بعض السلع، خصوصاً مع زيادة تكاليف النقل أو تراجع كميات التجهيز، مؤكداً أن أي أزمة مالية واسعة تنعكس سريعاً على المواطن والتاجر الصغير.
أعباء معيشية متفاقمة
أما أم غدير، وهي أم لخمسة أطفال من محافظة كربلاء، فتقول إن تأخر الراتب جعل حياتها أكثر صعوبة، كون راتب الأسرة يمثل مصدر الدخل الوحيد لتغطية الاحتياجات اليومية.
وتضيف السيدة لوكالة شفق نيوز، أنها اضطرت إلى تأجيل دفع عدد من الفواتير والالتزامات، والاعتماد على الاقتراض من الأقارب لتوفير الطعام والدواء.
وتقول إن أكثر ما يثير قلقها هو اقتراب العام الدراسي، إذ لديها ابنتان في الجامعة وثلاثة أطفال في المدارس، ما يعني الحاجة إلى توفير الكتب والقرطاسية والحقائب وأجور النقل والمصاريف الدراسية.
وتشير إلى أن ارتفاع الأسعار بالتزامن مع تأخر الرواتب جعل الأسر التي تعتمد على الدخل الحكومي تواجه صعوبات أكبر، موضحة أن شراء الاحتياجات الأساسية أصبح يحتاج إلى حسابات دقيقة، وأن كثيراً من المستلزمات بات تأجيلها أمراً اضطرارياً.
وتطالب السيدة من الحكومة بالإسراع في معالجة أزمة الرواتب، مؤكدة أن استمرار التأخير لا يؤثر في الوضع المعيشي فقط، بل يهدد أيضاً استقرار الأسر وقدرتها على توفير متطلبات تعليم أبنائها.
حلول مؤقتة للأزمة
وتواجه الحكومة العراقية خيارات صعبة في ظل محدودية السيولة، إذ سبق لمسؤولين أن تحدثوا عن الحاجة إلى ترتيب أولويات الإنفاق أو اللجوء إلى حلول مؤقتة لتجاوز الأزمة.
وفي هذا الجانب، يقول النائب حسين عرب، إن وزير المالية فالح الساري طرح خلال اجتماع مع اللجنة المالية النيابية مقترحات تتعلق بجدولة الرواتب في حال استمرار الأزمة المالية.
ويوضح عرب لوكالة شفق نيوز، أن المقترح يقوم على إعطاء الأولوية للفئات الأكثر هشاشة، ومنها مستفيدو الرعاية الاجتماعية والمتقاعدون وصغار الموظفين الذين لا تتجاوز رواتبهم مليون دينار عراقي.
لكن النائب يعرب عن اعتقاده بأن الأزمة قد تتجه إلى الانفراج في حال التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، باعتبار أن ذلك قد يسهم في استقرار حركة تصدير النفط العراقي وعودة الإيرادات إلى مسارها الطبيعي.
ويقول عرب إن الحكومة قد لا تضطر إلى تطبيق جدولة الرواتب إذا تحقق انفراج قريب في ملف المضيق واستؤنفت حركة الصادرات النفطية.
وتتزامن الأزمة المالية العراقية مع اضطرابات إقليمية واسعة ألقت بظلالها على أسواق الطاقة وحركة التجارة، في مقدمتها أزمة مضيق هرمز.
وتقول إيران إن المفاوضات مع سلطنة عُمان بشأن ترتيبات الملاحة في المضيق وصلت إلى مراحل متقدمة، مع بحث إنشاء مركز مشترك لإدارة حركة السفن وتحديد مسار آمن لعبور السفن التجارية.
ويرى مراقبون أن أي استقرار في حركة الملاحة عبر المضيق قد يساعد على تهدئة أسواق الطاقة، لكنه لن يحل وحده المشكلات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، والمتمثلة بالاعتماد الكبير على النفط وارتفاع الإنفاق التشغيلي وضعف الإيرادات غير النفطية.