35 ألف ضحية.. مخلفات الحروب تواصل حصد أرواح العراقيين

35 ألف ضحية.. مخلفات الحروب تواصل حصد أرواح العراقيين
2026-09-14T19:07:48+00:00

شفق نيوز- بغداد/ ميسان/ المثنى

تنتهي الحرب، وتتوقف المدافع، ويعود الجنود إلى ثكناتهم، لكن في العراق لم تنتهِ الحرب بالنسبة لآلاف المدنيين؛ فالألغام ومخلفات المعارك بقيت كامنة تحت الأرض، تنتظر خطوة عابرة أو عجلة مركبة أو راعياً يبحث عن مرعى لقطيعه.

منذ اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، مروراً بحرب الخليج الثانية عقب اجتياح العراق للكويت عام 1990، وصولاً إلى حرب عام 2003 والتدخل العسكري للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ومن ثم التنظيمات الإرهابية ومخلفاتها، تراكمت الألغام والمخلفات الحربية في مساحات واسعة، ولا سيما في المناطق الحدودية والصحراوية.

وفي البادية العراقية، لا تبدو الأرض دائماً كما هي؛ فقد تكون المساحة التي يبحث فيها الراعي عن الماء والمرعى، أو التي يسلكها المزارع للوصول إلى أرضه، ميداناً لمخلفات حرب لم تنتهِ آثارها بعد. والأسوأ أن بعض هذه الألغام والمخلفات قد تتحرك بفعل السيول والفيضانات، فتظهر في أماكن لم تكن معروفة سابقاً بأنها ملوثة.

وبينما تكشف الأرقام الرسمية عن آلاف الضحايا ومساحات واسعة ما تزال ملوثة، يواصل العراق مواجهة إرث حروب مضى على بعضها أكثر من أربعة عقود، في معركة مختلفة هذه المرة؛ معركة إزالة ما تركته الحروب خلفها، وإنقاذ أرواح ما زالت مهددة بخطر مدفون تحت الأرض.

35 ألف ضحية

وتكشف بيانات وزارة البيئة حجم المشكلة التي ما تزال تواجه العراق، إذ بقيت مساحات واسعة من الأراضي ملوثة بالألغام والمخلفات الحربية، فيما لا تزال عمليات المسح والتطهير مستمرة في عدد من المناطق.

ويقول مدير إعلام مديرية شؤون الألغام في وزارة البيئة، مصطفى حميد، لوكالة شفق نيوز، إن "المساحة المتبقية من الأراضي الملوثة بالألغام والمخلفات الحربية تبلغ بحدود 2400 كيلومتر مربع، فيما يجري العمل حالياً على نحو 300 كيلومتر مربع منها".

ويوضح أن "البصرة تتصدر المحافظات العراقية من حيث المناطق الأكثر تلوثاً بالألغام والمخلفات الحربية"، مبيناً أن "الأشرطة الحدودية التي كانت في وقت سابق ساحات للحروب تُعد من أخطر المناطق المتأثرة بهذا النوع من التلوث".

ويضيف أن "العراق ما يزال يضم حقول ألغام ومخلفات حربية في المناطق الحدودية مع عدد من دول الجوار، بينها السعودية وإيران والكويت"، لافتاً إلى أن "الألغام والمخلفات الحربية قد تتحرك أو تظهر على سطح الأرض نتيجة السيول والفيضانات".

وبشأن أعداد الضحايا، يبيّن حميد أن "عدد ضحايا الألغام والمخلفات الحربية في العراق يقدر بحدود 35 ألف شخص، بين مصاب ومتوفٍ".

ويشير إلى أن "التقنيات الحديثة والطائرات المسيّرة لها دور مهم في عمليات الكشف عن الألغام، إلا أن استخدامها لم يُعتمد معيارياً حتى الآن".

ويتابع أن "جهات عدة تعمل مع العراق في ملف إزالة الألغام والمخلفات الحربية، من بينها وزارات الدفاع والداخلية والحشد الشعبي، فضلاً عن الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية المحلية والدولية".

ويؤكد حميد أن "الفرق المختصة تواصل إجراء المسوحات الميدانية بصورة مستمرة، بهدف تحديد المناطق الملوثة وحجم التلوث فيها"، نافياً وجود مناطق متروكة من دون متابعة، مع استمرار عمليات المسح والكشف.

أكثر من 4500 ضحية

وفي محافظة المثنى، يقول أحمد الجشعمي، من تجمع حماية البيئة والتنوع الإحيائي، إن بادية المحافظة تعد من أكثر المناطق تضرراً بمخلفات الحروب، مبيناً أن حرب الخليج الثانية عام 1991 خلفت آلاف الضحايا بين قتيل ومصاب ومعاق.

ويوضح الجشعمي لوكالة شفق نيوز أن الطائرات الأميركية ألقت خلال الحرب آلاف الأطنان من المخلفات الحربية في مناطق واسعة من بادية المثنى.

ويبين أن هذه المخلفات تضمنت ألغاماً وصواريخ غير منفجرة، إضافة إلى أنواع متعددة من القنابل، بينها الشريطية والعنقودية والكروية، فضلاً عن مخلفات الجيش العراقي السابق الذي انسحب من الكويت بعد معارك عام 1991.

ويضيف أن "آلاف الأشخاص سقطوا بين قتيل ومصاب ومعاق جراء هذه المخلفات، وقد تعود بعض الإحصاءات إلى عام 2021، فيما يُعتقد أن العدد الإجمالي للضحايا تجاوز حالياً 4500 شخص".

ويشير الجشعمي إلى أن "أجزاء واسعة من بادية المثنى لا تزال غير جاهزة أو غير منظفة، ولم تخضع للمسح الكامل من مخلفات الحرب"، لافتاً إلى أن مديرية بيئة المثنى ومديرية الدفاع المدني، بالتعاون مع منظمة (MBA)، عملت على مدى نحو عقدين على إزالة المخلفات ومسح مساحات واسعة من البادية.

ويلفت إلى أن "هناك مساحات ملوثة لا تزال خارج نطاق أعمال المسح والإزالة، ولم تصل إليها الجهات الحكومية والمنظمات المعنية حتى الآن"، معرباً عن أمله في أن "يشهد عام 2028 الانتهاء من إزالة هذا الشبح المرعب الذي ما يزال يلقي بظلاله على بادية محافظة المثنى، وتخليصها من مخلفات الحرب بشكل كامل".

بصية

وفي تصريح لوكالة شفق نيوز، يقول مدير ناحية بصية في محافظة المثنى، هايف صالح مزيهر، إن الناحية شهدت تقدماً ملحوظاً في ملف إزالة الألغام والمخلفات الحربية، بعد عقود من التلوث الذي خلفته الحروب، مبيناً أن عمليات التطهير شملت نحو 180 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الملوثة.

ويوضح مزيهر لوكالة شفق نيوز، أن "نسبة الوفيات والإصابات قبل الشروع بعمليات التطهير كانت تصل إلى 37 حالة بين متوفٍ ومصاب، إلا أنها انخفضت بصورة ملحوظة نتيجة حملات التوعية التي نفذتها المنظمات غير الحكومية، إلى جانب تنظيف مساحات واسعة من الألغام وتحديد المناطق غير المطهرة بعلامات تحذيرية تشير إلى خطورتها".

ويضيف أن "بعض المناطق الملوثة بالألغام دخلت ضمن أعمال الاستكشاف النفطي، حيث تقوم شركات النفط برفع الألغام ضمن مسارات الطرق الخاصة بعملياتها".

ألغام تتحرك مع السيول

ولا يقتصر خطر المخلفات الحربية على بادية المثنى، إذ ما تزال ناحية الطيب شرقي محافظة ميسان، المحاذية للحدود الإيرانية، تواجه مخاطر كبيرة بسبب حقول الألغام والمقذوفات التي خلفتها الحرب العراقية الإيرانية.

ويقول قائممقام قضاء العمارة، مركز محافظة ميسان، رائد شامل، لوكالة شفق نيوز، إن "من أبرز المشاكل التي تواجه أبناء ناحية الطيب والعاملين فيها، سواء على الحدود أو في معامل الحصى أو موظفي شركة نفط ميسان، هي مشكلة الألغام التي ما تزال موجودة منذ الحرب العراقية-الإيرانية".

ويضيف أن "حقول الألغام ومخلفات الحرب تمتد على طول الشريط الحدودي وبأعماق ومسافات متفاوتة، تصل في بعض المناطق إلى كيلومترات عدة"، مشيراً إلى "عدم توفر خرائط دقيقة تحدد مواقع جميع الألغام".

ويلفت إلى أن "السيول القادمة من المرتفعات خلال موسم الشتاء تؤدي إلى جرف الألغام ونقلها إلى مناطق أخرى، وقد تصل أحياناً إلى عشرات الكيلومترات"، مؤكداً أن "الألغام ما تزال تشكل خطراً حقيقياً على السكان".

ويشير شامل إلى أنه "منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988 وحتى الآن، ما تزال الناحية تسجل حوادث وفاة وإصابات جراء انفجار الألغام"، مبيناً أن "آخر حادث وقع خلال شهر نيسان/ أبريل من العام الحالي، وأدى إلى وفاة أحد الأشخاص".

ويضيف أن "بعد عام 2003، باشرت بعض المنظمات الإنسانية الدولية بالكشف عن الألغام وتطهير الأراضي، إلا أن إمكانياتها كانت محدودة، لذلك فإن مساحة الأراضي التي جرى تطهيرها ما تزال قليلة جداً مقارنة بالمساحات الملوثة بالألغام".

ويؤكد شامل أن "مساحات واسعة من أراضي الناحية ما تزال غير مطهرة، وهي مناطق يحظر الدخول إليها"، موضحاً أن ذلك "يحرم المزارعين والرعاة من الوصول إليها، رغم أن بعضها يعد من أخصب الأراضي وتوجد فيه عقود زراعية، إلا أن الخوف من الألغام يمنع استغلالها".

وبحسب شامل، فإن وجود الألغام يعيق أيضاً إقامة المشاريع في المناطق الملوثة، رغم أن بعضها يمثل مناطق ذات مقومات جذب سياحي.

ويشدد شامل على أن "مشكلة الألغام في ناحية الطيب تحتاج إلى جهود أكبر وعمليات مسح وتطهير شاملة، نظراً لاتساع المساحات الملوثة واستمرار خطر الألغام على السكان والتنمية الزراعية والسياحة في المنطقة".

وتظهر هذه الشهادات، إلى جانب بيانات وزارة البيئة، أن مشكلة الألغام والمخلفات الحربية في العراق لم تعد مجرد إرث من حروب سابقة، بل ما تزال ملفاً إنسانياً وتنموياً مفتوحاً، في ظل بقاء مساحات واسعة ملوثة واستمرار تسجيل الضحايا، فضلاً عن تأثير التلوث في الزراعة والرعي والاستثمار والمشاريع والسياحة، خصوصاً في المناطق الحدودية والصحراوية

والعاملين فيها، سواء على الحدود أو في معامل الحصى أو موظفي شركة نفط ميسان، هي مشكلة الألغام التي ما تزال موجودة منذ الحرب العراقية الإيرانية.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon