من بغداد إلى دمشق وكراكاس.. سياسة "التغيير" تعود لتقويض النظام الدولي

من بغداد إلى دمشق وكراكاس.. سياسة "التغيير" تعود لتقويض النظام الدولي
2026-01-06T07:59:57+00:00

شفق نيوز- ترجمة خاصة

لم تنتهِ شهية القوى العظمى للمضي قدماً في سياسة "تغيير الانظمة" بالرغم من مخاطرها التي تجلت في العراق وليبيا وسوريا والمتمثلة بالخراب في الدول نفسها، وبالقوى الخارجية المتدخلة أيضاً و بالنظام العالمي الأوسع، بحسب صحيفة "ذا ناشيونال" الصادرة بالإنكليزية.

وذكرت الصحيفة الصادرة من "أبوظبي"، في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، أنه بغض النظر عن الطبيعة الاشكالية للأنظمة التي جرت الاطاحة بها، فإن عمليات التدخل من جانب قوى خارجية، تعكس في جوهرها الانتهاك للمبادئ الاساسية للقانون الدولي، ما أدى إلى اضعاف إطار الأمن الجماعي الذي جرت إقامته بعد الحرب العالمية الثانية للحفاظ على السلام والاستقرار العالميين.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، والآن مع اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تطرق التقرير، إلى عواقب التدخلات الخارجية على مبادئ القانون الدولي، موضحاً أن ميثاق الأمم المتحدة، الذي تم اعتماده في العام 1945، هم بمثابة حجر الأساس للقانون الدولي الحديث، حيث تحظر المادة 2 (4) استخدام القوة بما يتعارض مع السلامة الإقليمية او الاستقلال السياسي لأي دولة، إلا في حالات الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 أو من خلال إذن صريح من مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع.

ولفت إلى أن مبدأ المساواة في السيادة المحدد في المادة 2 (1)، يتضمن التأكيد على معاملة جميع الدول على قدم المساواة، بغض النظر عن حجمها أو قوتها، مبيناً أن تغيير الانظمة الذي تم اتباعه في العراق وليبيا، والصراع بالوكالة المطول في سوريا، أظهر هشاشة هذه المعايير في مواجهة طموحات الدول القوية.

وفيما يتعلق بالعراق، أوضح التقرير، أن الغزو الذي قادته الولايات المتحدة العام 2003، كان مثالاً على التجاهل للقانون الدولي، مذكراً بأن إدارة جورج بوش استندت في تحركها على العقيدة الاستباقية للدفاع عن النفس، حيث اعتبرت أن العراق يمتلك اسلحة الدمار الشامل ويشكل تهديداً وشيكاً.

وفي حين، أشار إلى أنه لم يتم العثور على مثل هذه الاسلحة، مبيناً أن الغزو لم يحصل على موافقة مجلس الأمن الدولي، وأن ذريعة الحفاظ على السلم الدولي في حقبة ما بعد 11 أيلول/سبتمبر طغت على الخطط الأميركية الطويلة الامد لتغيير النظام، والتي يعود تاريخها إلى سنوات قبل الهجمات.

وبين التقرير، أن هذا التحرك الأحادي الجانب لم يخالف حظر الميثاق الدولي على القوة العدوانية فقط، وانما أدى أيضا إلى تقويض سلطة الامم المتحدة أيضاً، مشيراً إلى أنه فيما يتعلق بليبيا العام 2011، فإن التدخل الخارجي اظهر ايضا التلاعب بالأطر القانونية.

وأوضح أن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1973 نص على الدعوة لاتخاذ "جميع التدابير اللازمة" لحماية المدنيين وسط حملة الزعيم معمر القذافي ضد المحتجين، وأنه جرى تأطير هذا القرار بموجب مبدأ المسؤولية عن الحماية الذي اقرته الامم المتحدة في العام 2005 لمنع الابادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية.

إلا أن التقرير قال إن قوات حلف "الناتو" بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، عمدت إلى توسيع الولاية لدعم قوات المتمردين وتسريع الإطاحة بالقذافي، وهو تجاوز أثار تساؤلات عميقة حول شرعية وجدوى تغيير النظام قسريا، وتسببت القوى المتدخلة في تآكل الثقة في منظومة الأمم المتحدة.

وبالنسبة الى سوريا، تابع قائلاً إن الصراع فيها والذي تصاعد من احتجاجات العام 2011 أوصل البلاد إلى حرب أهلية طويلة شملت قوات بالوكالة من الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وغيرها، مؤكداً أن الهدف منذ البداية كان تغيير النظام قسرياً من قبل القوى الغربية.

وبحسب التقرير، فإن هذا الدعم الغربي لجماعات المعارضة كان يتناقض مع الدعم الروسي والإيراني لبشار الأسد، ما أدى إلى استخدام حق "الفيتو" في مجلس الأمن وشل إجراءات الأمم المتحدة، مضيفاً أن عدم الالتزام السابق في العراق واساءة استخدام الولاية في ليبيا، أدى إلى التشكيك العميق بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وخصوصا روسيا والصين.

وأضاف أنه مع فرار بشار الاسد، وسيطرة هيئة تحرير الشام على دمشق، فإن ذلك كان من نتائج الحرب بالوكالة المطولة التي قسمت البلد وأضعفت النظام على مر السنين، مبيناً أن هذه الحالات تؤكد على وجود أزمة أعمق في القانون الدولي، خصوصاً ما يتعلق بالغموض المحيط بشرعية تغيير الانظمة.

ووفقاً للتقرير، فإن ميثاق الأمم المتحدة، لا يجيز  العمل العسكري إلا كملاذ أخير لوقف الفظائع الجماعية، وليس لتنصيب حكومات جديدة أو تعزيز الديمقراطية، مضيفاً أنه برغم ذلك، فان الدول القوية استغلت هذه المنطقة الرمادية، وأخفت مصالحها الاستراتيجية كتأمين الموارد او مواجهة المنافسين أو احتواء التهديدات، وذلك تحت ذرائع انسانية.

وذكر التقرير، أن المواقف المتعارضة ساهمت في انقسام مجلس الأمن بشكل أعمق من اي قضية منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما  وضع دعاة عدم التدخل، في مواجهة هؤلاء الذين يفضلون التفسيرات المرنة لميثاق الأمم المتحدة، وهو انقسام ساهم في تأجيج الصراع السياسي العالمي، ما أضعف أطار الأمن الجماعي المحدد لمعاملة جميع الدول على قدم المساواة.

كما أشار إلى أن القوى العظمى مثل الولايات المتحدة تقوم بفرض المعايير العالمية عندما تناسبها، وتستمد الشرعية من هذا النظام بينما تعفي نفسها في كثير من الأحيان من قيوده، لافتاً إلى أنها غالبا ما بررت الاستثنائية الأميركية وهذا الاعتقاد بالدور الفريد للولايات المتحدة، مثل هذه الإعفاءات، بما في ذلك الانسحاب من المعاهدات والالتزام انتقائيا، خلال الحرب على الإرهاب.

بينما أكد أن هذه الاحداث تسلط الضوء على الحاجة إلى التأكيد على أن شكل الحكم هو مسالة داخلية، وانه يجب ان تكون القوة، حتى في الحالات القصوى، باعتبارها الملاذ الأخير الذي يركز على الحماية، تحت إشراف صارم للأمم المتحدة.

وخلص التقرير، إلى أن الاصلاح يمثل أمراً حيوياً، من خلال الاعتراف بالمساواة في السيادة، ومحاسبة الدول القوية وتعزيز التعاون، في حين يجب أن تستمد الشرعية من القانون المحايد، وليس من خلال التلاعب، مشيراً إلى أن سقوط الأسد في العام 2024، وسط تحديات انتقالية مستمرة، يعزز هذه الدروس.

وختم التقرير، حديثه بالقول إن ذلك يمثل إشارة إلى أن سيناريوهات مماثلة تتكشف في مناطق جغرافية مختلفة، هذه المرة في أميركا اللاتينية، مبيناً أن مستقبل النظام الدولي يتوقف على التطبيق العادل وضبط النفس من قبل القوى الكبرى، لمنع تكرار هذه المناورات المكلفة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon