ما هو أبعد من التكريم.. قراءة في دلالات "نجمة إيطاليا" على صدر نيجيرفان بارزاني

ما هو أبعد من التكريم.. قراءة في دلالات "نجمة إيطاليا" على صدر نيجيرفان بارزاني
2026-07-21T19:43:32+00:00

شفق نيوز- ترجمة خاصة

رأت قراءة سياسية كوردية أن منح رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني وسام "نجمة إيطاليا" بدرجة "فارس الصليب الأكبر" لا يمثل مجرد تكريم بروتوكولي لشخصية سياسية، بقدر ما يعكس انتقال العلاقات بين روما وأربيل من التعاون التقليدي إلى مستوى أقرب إلى الشراكة الاستراتيجية متعددة الأبعاد.

وكان السفير الإيطالي لدى العراق نيكولو فونتانا قد منح نيجيرفان بارزاني الوسام، في الثامن من تموز/ يوليو الجاري، نيابة عن الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، في خطوة قالت رئاسة إقليم كوردستان إنها الأولى من نوعها على مستوى العراق والإقليم.

وأوضح السفير أن القرار جاء تقديراً لدور بارزاني في تعزيز العلاقات ودعم الحوار والسلام، إلى جانب مساندته الشركات الإيطالية والقوات العسكرية والبعثات الأثرية العاملة في إقليم كوردستان.

وبحسب قراءة نشرتها شبكة "بينوس" الكوردي، وترجمته وكالة شفق نيوز، فإن أهمية التكريم لا تتعلق بمنح الوسام فحسب، بل باختيار درجة "فارس الصليب الأكبر"، وهي أعلى الدرجات الاعتيادية الخمس في وسام "نجمة إيطاليا"، الذي يمنحه رئيس الجمهورية بناءً على اقتراح وزير الخارجية وبعد مراجعة مجلس الوسام.

ووفقاً للرئاسة الإيطالية، أُعيد تنظيم الوسام بقانون صدر عام 2011، ليُمنح للأشخاص الذين يقدمون إسهامات متميزة في تطوير علاقات الصداقة والتعاون بين إيطاليا والدول الأخرى وتعزيز الروابط مع روما.

وتشمل درجاته "فارس الصليب الأكبر" و"الضابط الأكبر" و"القائد" و"الضابط" و"الفارس"، فضلاً عن درجة شرفية خاصة مرتبطة بالخدمات الإنسانية الاستثنائية.

وتشير القراءة إلى أن اختيار أعلى درجة اعتيادية يعني أن التقييم الإيطالي لدور بارزاني لم يرتبط بملف واحد أو إنجاز مؤقت، وإنما بمجموع نشاطه في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية، فضلاً عن موقعه على رأس مؤسسة دستورية تؤدي دوراً مؤثراً داخل العراق وفي علاقاته الخارجية.

وتعود العلاقات المؤسسية بين إقليم كوردستان وإيطاليا إلى مرحلة ما بعد عام 2003، قبل أن تتطور مع افتتاح القنصلية العامة الإيطالية في أربيل، التي تحولت إلى قناة لتنسيق العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، فضلاً عن تقديم الخدمات القنصلية.

غير أن الحرب ضد تنظيم "داعش" بعد عام 2014 شكلت نقطة التحول الأبرز، بعدما انضمت إيطاليا إلى التحالف الدولي وقدمت دعماً مباشراً لقوات البيشمركة والجيش العراقي، شمل إرسال مدربين ومستشارين عسكريين والمساهمة في التدريب على مكافحة الإرهاب وإبطال المتفجرات والقيادة والتخطيط العملياتي.

وترى المادة أن هذا التعاون نقل العلاقات من التنسيق الدبلوماسي والاقتصادي إلى شراكة أمنية، إذ بات إقليم كوردستان في الرؤية الإيطالية شريكاً موثوقاً في مواجهة الإرهاب وعنصراً مهماً في استقرار العراق وحماية الأمن الإقليمي والأوروبي.

وفي الجانب الاقتصادي، تزايد اهتمام الشركات الإيطالية بقطاعات النفط والغاز والطاقة المتجددة والبنى التحتية والصناعات الغذائية والأدوية والزراعة وإدارة المياه والمعدات الصناعية.

ولا تفصل القراءة هذا الاهتمام عن استراتيجية أوسع تتبناها روما لتنويع شراكاتها الاقتصادية ومصادر الطاقة الأوروبية، إذ ينظر إلى العراق وإقليم كوردستان باعتبارهما جزءاً من البدائل المحتملة لتعزيز أمن الطاقة، إلى جانب ما يوفره الإقليم من بيئة استثمارية أكثر استقراراً مقارنة ببعض مناطق الشرق الأوسط.

كما شهدت السنوات الأخيرة تكثيفاً للزيارات واللقاءات بين نيجيرفان بارزاني وكبار المسؤولين الإيطاليين، بينهم الرئيس سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني ووزير الخارجية أنطونيو تاياني، وهي لقاءات أكدت خلالها روما أن الإقليم يمثل عاملاً مهماً لاستقرار العراق والمنطقة، مع استعدادها لتوسيع التعاون السياسي والأمني والاقتصادي.

ولم تقتصر العلاقات على الأمن والاقتصاد، إذ تعد الثقافة والآثار والتعليم العالي من أكثر مجالات التعاون استمرارية. وتعمل بعثات أثرية إيطالية عدة داخل إقليم كوردستان، إلى جانب برامج تعاون جامعي وبحثي ومبادرات لحماية التراث وتطوير السياحة الثقافية.

وتندرج هذه النشاطات ضمن مفهوم "منظومة إيطاليا"، الذي تقوم بموجبه السياسة الخارجية الإيطالية بتوظيف الجامعات ومراكز البحوث والبعثات الأثرية والقطاع الخاص لتعزيز الحضور الإيطالي خارج البلاد.

ووفق القراءة، فإن منح الوسام يعكس كذلك تقديراً إيطالياً لخطاب بارزاني القائم على الاعتدال والحوار والتعايش وحماية المكونات الدينية والقومية، وهي قيم تتقاطع مع أولويات السياسة الخارجية الإيطالية في مجالات الحوار بين الأديان وحماية التنوع الثقافي.

كما ترى روما في بارزاني محاوراً مؤسسياً يمكن التواصل معه بشأن الملفات العراقية والإقليمية، نظراً إلى شبكة علاقاته الدولية واستمرار تواصله مع الحكومات الإيطالية المتعاقبة، رغم التغيرات السياسية والأمنية التي شهدها العراق والمنطقة.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الوسام على أنه تقدير لما تصفه المادة بـ"الموثوقية السياسية"، أي القدرة على الحفاظ على خطاب متوازن وعلاقات مستقرة وسلوك دبلوماسي يمكن توقعه والتعامل معه على المدى الطويل.

وتحمل الخطوة أيضاً رسالة تتعلق بموقع إقليم كوردستان داخل العراق، إذ إن منح هذا المستوى من التكريم لرئيس إقليم اتحادي، وليس لرئيس دولة مستقلة، يعكس اعترافاً إيطالياً بالدور الخارجي المشروع لمؤسسات الإقليم الدستورية، وبقدرتها على العمل شريكاً مؤسسياً ضمن الدولة العراقية.

ومع ذلك، لا تضع القراءة هذا الاعتراف في مواجهة بغداد، بل تعده رسالة مفادها أن دعم مؤسسات إقليم كوردستان لا يتناقض مع دعم الحكومة الاتحادية، وأن استقرار العراق يتطلب علاقة مستقرة وبنّاءة بين بغداد وأربيل.

كما يحمل الوسام، وفق التحليل، رسالة إلى القيادة الكوردستانية بأن مواصلة الحوار مع بغداد، والانفتاح على الشركاء الدوليين، والالتزام بالتعاون الأمني والاقتصادي، تشكل نهجاً يحظى بالتقدير الأوروبي.

وتخلص المادة إلى أن التكريم الإيطالي يجمع بين بعدين شخصي ومؤسسي، فهو من جهة اعتراف بدور نيجيرفان بارزاني في بناء العلاقات والمحافظة عليها، ومن جهة أخرى تعزيز للمكانة الدبلوماسية لرئاسة إقليم كوردستان باعتبارها قناة معترفاً بها لإدارة جانب من علاقات إيطاليا مع العراق.

وبهذا المعنى، لا يبدو وسام "نجمة إيطاليا" مجرد إشادة دبلوماسية، وإنما إعلاناً رمزياً عن مستوى الثقة الذي بلغته العلاقات، وتشجيعاً لنمط سياسي يستند إلى الاعتدال والتفاوض والتعاون المؤسسي والابتعاد عن التصعيد، في منطقة تتزايد فيها الأزمات والاستقطابات.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon