قراءة كوردستانية: علاقات نيجيرفان بارزاني تفتح قنوات الحوار الإقليمية أمام اختبار المؤسسة
جانب من جلسة الطاولة المستديرة للمعهد
شفق نيوز - أربيل
من الملف السوري إلى قناة الاتصال بين واشنطن وطهران، برز اسم رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني في أزمات تتجاوز حدود الإقليم، لكن اتساع هذا الدور يطرح سؤالاً، "هل تحولت شبكة علاقاته إلى قدرة دبلوماسية تملكها مؤسسات كوردستان، أم أنها ما زالت مرتبطة بشخصه؟
هذا السؤال تناولته قراءة ترجمتها وكالة شفق نيوز، أعدها معهد البحوث والتنمية – كوردستان، استناداً إلى نقاش بشأن موقع الإقليم وسط الأزمات الإقليمية.
وكان المعهد قد عقد في أربيل طاولة مستديرة تناولت دور نيجيرفان بارزاني في التواصل بين أطراف متعارضة، في وقت يواجه فيه الإقليم قيوداً سياسية واقتصادية، وتبقى السياسة الخارجية من اختصاص الحكومة الاتحادية في بغداد.
حضور في مسار معقد
تُعد سوريا المثال الأوضح في القراءة على قدرة أربيل على فتح قنوات الحوار، فقد التقى بارزاني قائد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" (قبل حلها) مظلوم عبدي، والمبعوث الأميركي توم باراك، وسط مساعٍ لتخفيف التوتر وضمان حقوق الكورد وسائر المكونات ضمن سوريا موحدة.
وفي 22 كانون الثاني/يناير الماضي، شكر قصر الإليزيه بارزاني على جهود الوساطة المتعلقة بسوريا، كما ذكرت رئاسة الإقليم، عقب لقاء جمعه بباراك في شباط/فبراير، أن الوفد الأميركي أعرب عن تقديره لمساعيه الدبلوماسية بشأن التهدئة والاتفاق بين دمشق و"قسد".
وفي تركيا، تبدو حدود الدور أكثر وضوحاً، فمسار السلام شأن تقوده أطرافه التركية والكوردية، فيما يمكن لعلاقات بارزاني مع أنقرة أن تسهم في تهيئة بيئة الحوار، وذكرت رئاسة الإقليم أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شكره، خلال اتصال في السابع من آذار/مارس، على دوره في دعم السلام بتركيا، وتصف القراءة هذا الدور بأنه تسهيل للحوار، وليس وساطة رسمية بين الحكومة التركية وحزب العمال الكوردستاني.
أما المثال الأكثر حساسية فيتعلق بإيران. ففي تقرير نشره في 16 آب/أغسطس، قال موقع "أكسيوس"، نقلاً عن مصادر مطلعة، إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب استعانت ببارزاني في أيار/مايو لفتح قناة اتصال مع قيادة الحرس الثوري الإيراني، بعدما أرادت التحقق من موقفها من المفاوضات الجارية آنذاك.
وبحسب التقرير، تحدث بارزاني مع قائد الحرس أحمد وحيدي، ثم نقل رده إلى الجانب الأميركي. وطُرحت لاحقاً فكرة عقد محادثات أميركية إيرانية سرية في أربيل، لكن الاجتماع لم يُعقد. وتُظهر الواقعة، وفق القراءة، قيمة القدرة على الوصول إلى طرف يصعب الاتصال به مباشرة، لكنها لا تجعل الإقليم الوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران، حيث تؤدي دول أخرى أدواراً في هذا الملف وتبقى القرارات بيد الجانبين.
وفي العراق، تستند قدرة نيجيرفان بارزاني على الحركة إلى علاقاته مع قوى سياسية من اتجاهات مختلفة، إلى جانب موقعه ممثلاً لإقليم لديه خلافات مستمرة مع بغداد بشأن الموازنة والنفط والصلاحيات. وخلال تشكيل الحكومة الاتحادية في عام 2026، التقى رئيس الوزراء المكلف علي فالح الزيدي وقادة سياسيين آخرين، ودعا إلى معالجة الخلافات عبر الشراكة والحوار.
الرصيد الشخصي واختبار المؤسسة
ترى القراءة أن القاسم المشترك بين هذه الملفات هو إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وخفض احتمالات التصعيد. فهذا النوع من النفوذ لا يقوم على قدرة الإقليم على فرض قرارات على جيرانه، بل على ثقة أطراف متعارضة بقدرته على التواصل ونقل الرسائل.
غير أن نقطة القوة هذه تحمل مكمن ضعفها، فجزء كبير من شبكة العلاقات يرتبط بخبرة بارزاني الشخصية، ولم يتحول بالضرورة إلى آليات ثابتة داخل مؤسسات الإقليم. وإذا تراجعت الشبكة بغياب صاحبها، فإن كوردستان تكون قد استفادت من رصيد دبلوماسي مهم من دون أن تبني قدرة مستدامة.
وتطرح القراءة إنشاء وحدة صغيرة في رئاسة الإقليم تُعنى بالحوار والوساطة ومنع الصراعات، وتتابع ملفات العراق وسوريا وتركيا وإيران، وتستعين بخبراء لإعداد تقديرات وخيارات سياسية.
وتشدد على أن يعمل أي جهاز من هذا النوع بالتنسيق مع بغداد، ضمن صلاحيات الإقليم الدستورية.
وبحسب هذا التصور، لا يُقاس نجاح الدور بعدد اللقاءات أو صور الاستقبال، بل بما إذا كانت العلاقات قد فتحت حواراً متعذراً، أو نقلت رسالة موثوقة، أو أسهمت في حماية مصالح الإقليم وتقليل مخاطر الصراع.
ويبقى الاختبار الأهم ما خلصت له، هل تستطيع مؤسسات كوردستان إبقاء القنوات مفتوحة بعدما فُتحت بالعلاقات الشخصية؟