رؤية بريطانية: سياسات واشنطن الخارجية دفعت الفصائل العراقية لتعزيز قوتها
شفق نيوز- ترجمة خاصة
لم تثمر الضغوط التي مارستها واشنطن لتجريد الفصائل العراقية من اسلحتها، عن حلول حتى الان، بسبب التناقض الطويل في السياسات الأميركية منذ العام 2003، بحسب قراءة لمعهد "تشاتهام هاوس" البريطاني الذي يرى ان هذه الضغوط لا يمكن أن تنتج حلا اساسيا او اعادة توجيه جذرية للدولة العراقية.
واعتبر المعهد البريطاني، ان عدم تحقق نزع السلاح لم يكن بسبب نقص الضغط الأميركي، وانما بسبب تناقض طويل الأمد في السياسة الأميركية، موضحا انه منذ العام 2003، ساهمت الاجراءات الأميركية التي وصفت بانها تستهدف تحقيق استقرار للعراق، في زعزعة استقراره.
ولفت المعهد في تقرير له، ترجمته وكالة شفق نيوز، الى ان الفوضى الناتجة عن ذلك، ساهمت في تقوية شوكة الفصائل، مضيفا ان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يواصل انتهاج هذا النمط، حيث انه وضع، مثل اسلافه، ثقة مفرطة في فكرة ان القوة الأميركية قابلة لاخضاع المشهد السياسي المشتت في العراق لارادتها على المدى الطويل.
وبعدما ذكر التقرير بالضغوط التي مارستها واشنطن مثل منع وصول العراق الى شحنات الدولار، اشار الى ان واشنطن وبغداد تأملان الان ان يؤدي الانسحاب النهائي للقوات الأميركية الى "اضعاف سردية المقاومة لدى الفصائل، وبالتالي زيادة فرص تجريدها من السلاح".
لكن التقرير نبه الى أن أي محاولة من جانب رئيس الوزراء علي الزيدي لإبعاد الفصائل المسلحة عن السياسة، ستشكل مخاطرة باشعال حرب أهلية، مضيفا ان نفوذ واشنطن ينتج مظهرا من مظاهر الإخضاع على المدى القصير بدلا من اعادة تشكيل بنية الدولة على المدى الطويل.
وتابع أن العديد من اصحاب النفوذ في العراق يمتثلون للضغوط بالقدر الذي يكفي فقط لتفادي التدقيق الاقرب من قبل واشنطن، وذلك لكسب الوقت الى ان يتوجه اهتمام الادارة الأميركية الى مكان آخر.
وعلى سبيل المثال، اعتبر التقرير ان ذلك يفسر سبب تعهد زعيم عصائب اهل الحق قيس الخزعلي في شهر حزيران/يونيو بتجريد جماعته من السلاح، لكن حتى الآن لم تسلم العصائب سلاحها، وليس هناك أي مؤشرات ملموسة على أنها ستفعل ذلك، في حين ان الفصائل الاكثر قربا من ايران مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء، لم تقم حتى بتحركات شكلية نحو نزع السلاح.
وبحسب التقرير، فان عجز الولايات المتحدة عن اجبار الفصائل على التجرد من سلاحها، يعكس تناقضا طويلا في سياستها، موضحا ان ترمب، مثل اسلافه، يصر على تجريد الفصائل من سلاحها في الوقت الذي يعزز فيه الظروف التي تزدهر في ظلها هذه القوى.
وتابع قائلا ان هذه المقاربة تعود الى العام 2003 عندما أدى القرار الأميركي بحل الجيش العراقي الى خلق فراغ امني، ملأته لاحقا وبشكل جزئي فصائل شيعية مسلحة مثل منظمة بدر، وجيش المهدي التابع لمقتدى الصدر.
ولفت التقرير الى ان واشنطن دعمت لاحقا في في العام 2010، نوري المالكي باسم الاستقرار، والذي اتهم لاحقا بان سياساته الطائفية ساهمت في اشعال صعود تنظيم داعش الذي بدوره أدت الحرب ضده الى تقوية هذه الفصائل ومنحتها شرعية سياسية، والتي تم إضفاء الطابع المؤسسي عليها، الى جانب تمويلها، ضمن هيئة الحشد الشعبي.
وقال التقرير ان الولايات المتحدة من خلالها خيارها بالحرب على الحرب، فانها تصرفت مجددا كقوة مزعزعة للاستقرار في المنطقة، مما ادى إلى اشعال صراع اقليمي يضم العراق، وهو ما ادى الى انعاش السردية الايديولوجية التي تقوي الفصائل، في وقت تضغط فيه واشنطن لكي تتخلى عن سلاحها.
وتابع قائلا انه بالنسبة للفصائل التي تستهدف علانية الولايات المتحدة وحلفاءها في الخليج، فإن هذه الحرب جلبت شعورا متجددا بان لديها هدف وفرصة لاظهار قدرتها على العرقلة، بما في ذلك التسبب بوقيعة بين العراق والدول المجاورة، وهو ما تجلى فيما جرى بعد الغارات الجوية السعودية على العراق.
ولفت التقرير الى انه في ظل الدمار والاضرار الاقتصادية التي سببتها الحرب، فانه من المرجح ان تظل مقاومة الولايات المتحدة بمثاببة سردية قوية تستمد منها الفصائل الدعم الشعبي، مشيرا الى انه يبدو ان الحرب تساهم في تعزيز الفصائل لا اضعافها. واضاف قائلا "انه في هذا المجال، فان ترامب يمثل استمرارا لا انقطاع" عن السياسة القديمة.
وفي حين ذكر التقرير ان الفصائل تعتبر هي اكبر المستفيدين من الفوضى في العراق، اوضح انه من منظور بغداد، فان ذلك يشكل سببا اخر يدعو ادارة ترامب الى السعي نحو ايجاد حل سريع للحرب مع ايران.
وبرغم ان التقرير قال ان السلام بحد ذاته لن يجعل الفصائل اكثر ميلا لنزع سلاحها، إلا انه يمثل شرطا اساسيا لتوليد الاستثمارات والبنية التحتية اللازمة لتقوية الدولة، مشيرا على سبيل المثال الى ان مشاريع مثل خط انابيب كركوك-بانياس، لا يمكن ان تتجدد تحت ظلال الحرب.
وبينما قال التقرير ان إنهاء الحرب من شأنه أن يضعف سردية المقاومة ضد الولايات المتحدة، والتي تعتمد عليها الفصائل المسلحة، اوضح ان ادارة ترمب لا يمكنها حل الفصائل المسلحة، تماما مثلما ان رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي لا يمكنه القيام بذلك.
ولهذا، اعتبر التقرير انه يتحتم على صناع السياسات في الولايات المتحدة، الاعتراف بانهم ضغطوا لنزع السلاح في الوقت الذي خلقوا فيه الظروف التي تزدهر في ظلها الفصائل، مضيفا انه عندها فقط يمكن للولايات المتحدة تحديد اطار زمني اكثر واقعية لنزع السلاح، لافتا الى الموعد الجديد لنزع السلاح، زعزع مصداقية الولايات المتحدة في العراق مجددا.
وبالاضافة الى ذلك، قال التقرير إن اضعاف القدرات العسكرية لايران لن يضعف الفصائل المسلحة في العراق، لانها تغلغلت في الدولة العراقية واعادت تشكيل المشهد السياسي لمرحلة ما بعد العام 2003، مشيرا الى ان رفض عصائب اهل الحق الانضمام إلى "المقاومة الاسلامية" في شن هجمات ضد اهداف أميركية يعكس براعتها ومرونتها، وليس ضعفها.
وتابع قائلا ان انسحاب القوات الأميركية لم يخفف من المشاعر المناهضة للولايات المتحدة، خصوصا على خلفية الغارات الأميركية على العراق في سياق الحرب مع ايران.
وختم التقرير البريطاني قائلا ان العداء للولايات المتحدة والسعي وراء الثروة والسلطة، هما ما سيحرك الفصائل المسلحة سواء بقي النظام الايراني ام لا، مبينا أنه بعدما حققت الفصائل السلطة للمرة الاولى بعد الحرب الأميركية عام 2003، فانها تبدو جاهزة للبقاء والاستمرار متخطية الضغوط الأميركية والسيطرة الايرانية على حد سواء.