الغسيل تحت النزوح.. حين تتحول النظافة إلى معركة يومية لنساء غزة (صور)

الغسيل تحت النزوح.. حين تتحول النظافة إلى معركة يومية لنساء غزة (صور)
2026-02-08T11:30:16+00:00

شفق نيوز- غزة

لم تكن فرح عبدالجبار تتخيّل أن تختفي غسالتها الحديثة بعد أشهر قليلة فقط من زواجها، لتحل محلها دلاء مياه بلاستيكية في خيمة نزوح، فقد كانت أعمال الغسيل قبل الحرب روتينية وسريعة، أما اليوم فأصبحت مهمة شاقة تتطلب وقتاً وجهداً وموارد نادرة.

الحرب التي دمّرت البنية التحتية في قطاع غزة دفعت آلاف العائلات للعيش في خيام تفتقر للكهرباء والمياه المنتظمة.

وفي هذا الواقع، تتحمل النساء العبء الأكبر في تدبير شؤون الأسرة، بدءاً من الطهي على الحطب مروراً بالخبز اليدوي، وانتهاءً بغسيل الملابس يدوياً.

تقول فرح إن الكهرباء شبه غائبة داخل المخيمات، ومن يملك ألواحاً شمسية يستخدمها غالباً لأعمال مدرّة للدخل، كبيع المياه الباردة أو شحن الهواتف.

وتضيف أن الحصول على المياه بحد ذاته تحدٍّ يومي: "زوجي بالكاد يستطيع توفير ما يكفي للشرب. عندما نخصص جزءاً للغسيل نشعر أننا نقتطع من احتياجات أساسية."

وترتفع معاناة الغسيل مع ارتفاع أسعار المنظفات وندرتها. أحياناً تلجأ النساء إلى صابون الأيدي أو يكتفين بالماء فقط، ما يترك آثاراً على الملابس ولا يحقق النظافة المطلوبة.

الحصول على المياه في المخيمات يستلزم انتظار صهاريج لساعات أو نقل جالونات لمسافات طويلة، أحياناً على عربات تجرها الحيوانات أو فوق رؤوس الأطفال. ومع محدودية الحصص اليومية، يصبح الغسيل قراراً مؤلماً بين النظافة والحاجة للشرب. حتى مشابك الغسيل باتت عبئاً إضافياً بسبب ارتفاع أسعارها.

إرهاق جسدي وخصوصية منقوصة

تصف أروى أبو هاشم الغسيل اليدوي بأنه "عمل يستهلك الجسد". استخدام الدلاء الصغيرة يتطلب تكرار تعبئة المياه ورفعها، وهو ما يستنزف الوقت والجهد.

تقضي أروى ساعات طويلة في وضعية الانحناء، ما تسبب لها بآلام مستمرة في الظهر والمفاصل، وتوضح أن هذه المهمة تتكرر عدة مرات أسبوعياً دون أي وسائل تخفيف.

أما نشر الغسيل فمشكلة أخرى. ضيق المساحة داخل المخيمات يدفع كثيراً من العائلات إلى تعليق الملابس داخل الخيام، حيث تبقى رطبة لفترات طويلة. وفي حال نشرها خارجاً، تواجه النساء حرجاً مرتبطاً بالخصوصية، خاصة في المساحات المفتوحة المكتظة.

حلول بدائية ومشاريع نجاة

في محاولة لتخفيف العبء، ظهرت مشاريع غسيل صغيرة داخل المخيمات. ياسين أبو عودة أطلق مشروعاً يعتمد على غسالات أوتوماتيكية تعمل بالطاقة الشمسية بالشراكة مع آخرين.

يشرح أن التحدي الأكبر هو المياه، إذ يشتريها بتكلفة مرتفعة، ويطلب من الزبائن إحضار مسحوق الغسيل معهم. كما اضطر إلى تعديل طريقة إدخال المياه للغسالة لتقليل الاستهلاك.

ويشير إلى صعوبة الصيانة في ظل غياب قطع الغيار، لافتاً إلى أن كثيراً من الغسالات جرى استخراجها من منازل مدمرة.

"هذا المشروع هو مصدر رزقنا الوحيد"

وفي مخيم الظهرة بخان يونس، يشغّل الشابان محمد وعلي غسالة نصف أوتوماتيك بالكهرباء المشتراة من جار يمتلك طاقة شمسية. يتقاضيان مبالغ بسيطة لكل غسلة، ويؤكدان أن العمل جاء كبديل اضطراري في ظل انعدام فرص العمل.

كبار السن في مواجهة العبء

تصل امرأة مسنّة إلى إحدى نقاط الغسيل حاملة كيس ملابس صغير. فقدت ابنتيها في الحرب، وابنها مصاب، ولا تملك القدرة الجسدية لغسل الملابس بنفسها. تقول إنها بالكاد تؤمّن مياه الشرب، بينما يساعدها بعض الجيران بكميات محدودة للغسيل. حالتها تعكس هشاشة أوضاع كبار السن داخل المخيمات، حيث تتحول المهام اليومية إلى تحديات قاسية.

تحذير صحي من أزمة صامتة

من داخل عيادات مركز العودة للصحة المجتمعية، توضح المثقفة الصحية غادة عزيز أن ما يُلاحظ يتجاوز التعب العادي.

"نحن أمام ضغط جسدي ونفسي متواصل تتعرض له النساء بسبب ظروف الغسيل اليدوي."

وتشير إلى أن نسبة كبيرة من المراجِعات يعانين من آلام أسفل الظهر والتهابات المفاصل نتيجة الانحناء الطويل وعصر الملابس الثقيلة. كما ترصد العيادات إصابات في أوتار اليدين بسبب الجهد المتكرر.

أما صحياً، فتوضح أن شح المياه النظيفة يمثل خطراً مباشراً، لافتة إلى أن غالبية سكان القطاع باتوا يفتقرون لمصادر مياه آمنة، في ظل تراجع قدرة خدمات المياه إلى مستويات متدنية للغاية. هذا الواقع يدفع إلى استخدام مياه غير ملائمة أو تقليل وتيرة الغسيل.

وتضيف أن ذلك انعكس في ارتفاع حالات الإكزيما والالتهابات الجلدية المعدية، إضافة إلى الفطريات الناتجة عن بقاء الملابس الرطبة في بيئات مغلقة."العلاج وحده لا يكفي، لأن أصل المشكلة بيئي. المطلوب توفير مياه آمنة ونقاط غسيل منظمة تخفف العبء وتحمي الصحة."

في خيام غزة، لم يعد الغسيل شأناً منزلياً بسيطاً، بل مهمة يومية ترتبط بالصحة والكرامة معاً. خلف كل قطعة ملابس نظيفة ساعات من الجهد الصامت، في واقع يحوّل أبسط تفاصيل الحياة إلى اختبار للصمود.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon